قَطعَ الباحث ميرغني ديشاب بأنَّ قيام مشروع حلفا الجديدة الزراعي، في ستينيات القرن الماضي، شكَّل ضربة قاصمة و عنيفة لحياة البطانة البدوية، وحولها من حياة رعوية منطلقة في سهلٍ منبسط، الى حياةٍ زراعية مُستقرة، الأمر الذي بدَّل نمط العيش في البطانة وقلب حياة الناس رأساً على عقب.

وقال ديشاب في ندوة عقدها معهد البرفيسور عبد الله الطيِّب، ضمن نشاط ندوة العلّامة عبد الله الطيِّب الدورية، جاءت بعنوان: الشِّعر الشعبي العربي في شرق البطانة، أنَّ كافّة الطقوس البدوية ونمط الحياة المنطلقة، كسِّمة رعوية مميزة، قد تبدلت بقيام مشروع حلفا الزراعي، فغابت كثير من مفردات الحياة البدوية مثل رحلة النشوق، الدَّمَر، الشيوم( الرحلة الى المحبوبة بالجمل)، وغيرها من مفردات الحياة.

ولامَ ديشاب شعراء مسادير اليوم، الذين قال أنهم يكتبون مسادير مُتخيلة وليست واقعية، إذ أنَّ المشروع الزراعي قَلَّص موضوعات الشِّعر التي تشمل وصف الإبل، الرحلة للمحبوبة، وصف أرض البطانة،  التَغنِّي بالماضي الجميل، الأمر الذي جعل شعراء اليوم يكتبون بلغة ومفردات المدينة فقد سقطت كثير من مفردات اللغة البدوية الأصيلة من شعرهم المعاصر.

وبيَّن الباحث ديشاب أنَّ أول من استخدم لفظ كلمة “دوبيت” هو الدكتور عبد المجيد عابدين في دراساته عن شعر البطانة، إلاَّ أن ديشاب أكدَّ أنَّ هذا اللفظ لا وجود له في أرض البطانة، لا البطانة الشرقية ولا البطانة الغربية. وتساءل الباحث : هل لفظ هل “دوبيت” يعبِّر عن الشِّعر الشعبي في السُّودان؟ أجاب بانَّه لا يعبِّر عن الشعر الشعبي في السودان، وفي السياق طالب الباحثين الجادِّين بألاَّ يستخدموا لفظ دوبيت إلاّ بحذرٍ وفي حدود البحث العلمي. كما أشار ديشاب إلى أنَّ لفظ ” دوباي” كذلك، الذي استخدمه الباحث الراحل الطيِّب محمَّد الطيِّب لا وجود له في البطانة.

من جهةٍ أخرى، كان على ديشاب أن يشرح بتفصيل الألفاظ والمصطلحات في المتدوالة في الشِّعر في بادية البطانة، وقال أن هذه المفردات تتمثل في كلمات: غُنا، رُبع، غُنوة، طويل، المجاراة ، المُفاتَنة، الرَّبَقِي، وأوضح أنَّ لكلِّ مُصطلح معنىً محدد. إذْ أنَّ مُفردة غُنا تُقال للشِّعر مطلقاً كيفما كان، بينما مفردة غُنوة، تعني الرباعية وهي مُقسَّمة لأربعة أبيات شعرية، أمَّا الرُبع فهو الشِّعر المُكوَّن من أربعة أشطر. في حين أنَّ لفظ طويل يعبِّر عن بحر أو وزن شعري من أوزان الشعر عندهم.  كذلك فإن الشاشاي أيضاً يعدُّ من أوزان  الشِّعر. أمَّا المجاراة، فهي تعنِّي أنْ يقول الشاعر غنوةً فيجاريه شاعرٌ آخر بمثلها، أما المجادعة، حسب الباحث، أنْ يجلس شاعران، أو أكثر، وجهاً لوجه، لقول الشعر، في موضوع واحد. بينما تعني المفاتنة أنْ يقول شاعر غُنوةً في لفظٍ محدد، فيجيب عليه شاعرٌ بنفس القافية فيما يُشبه التحدِّي.

وتحدَّث الباحث عن بحر الطويل الذي رصده الدكتور سيد حامد حريز في كتابه (فن المسدار)، وقال أنَّ أكثر شاعرٍ قال فيه الشِّعر أحمد عوض الكريم أبو سن المعروف بــ(الحاردلو) وهو شاعرٌ فخم العبارة وبدويِّ اللفظ، بحسب تعبير ديشاب.  وكذلك أوضح أنَّ هناك وزن بحر القصير الذي كتب فيه المُحلَّق، أمَّا الشاعر الذي رَكَّزه فهو ابراهيم ود الفراش المتوفي عام 1883م وهو من الأوزان الراقصة. وكشف ديشاب عن أنَّ أول من قال مسداراً في أرض البطانة هو الشاعر د الفرَّاش ولم يسبقه في قول المسادير شاعر آخر.

 وأشار ديشاب إلى أنَّ وزن الشَاشاي يُقال في حداء الابل، وقال أنَّ هناك شعراء قالوا كلَّ شعرهم في وزن الشاشاي، مثل الشاعر علي ود حمد ود كِريز، والشاعر محمد زين ود عمر.

وأوضح أنَّ الباحثين قسَّموا المسادير لزمانية ومكانية، ففي الزمان يتتبع الشاعر تقلبات فصول السنة ويرصد حاله أثناء تبدل الفصول. أمّا المكانية، فإن أغلب المسادير قيلت فيه، ويسمى بــ( الشيوم) وهي كلمة بِجاوية تعني: الرحلة إلى المحبوبة بالجمل، ويعدِّد فيه الشاعر الأماكن والمعالم في رحلته حتى وصوله إلى محبوبته. ففي المسدار لابد من رصد عدد من العناصر أبرزها: تهيئة الجمل قبل بدء الرحلة، وصف بداية الرحلة، أنْ يتحدث الشاعر مع جمله، وأنْ يرد عليه يرد الجمل ، وفي النهاية، يرصد الشاعر مرحلة الوصول كمحطة  أخيرة في هذه الرحلة الطويلة إلى المحبوبة.

قبر الشِّعر

وعدَّد الباحث أشهر شعراء المسادير وهم ود شوراني ولديه ثمانية مسادير، والصادق ود آمنة ولديه أربعة مسادير، والحاردلو ولديه إثنان من المسادير. ويعتبر المسدار ” قمة التجلِّي الشعري للشاعر البدويِّ”.

وقال أنَّ أحمد عوض الكريم أبو سن سبق كل الشعراء في نظم المسدار،  فيما أوضح أنَّ شعر الهمباتة كله في وزن الطويل عدا الهمباتة البطاحين فهم يقولون الشِّعر في أكثر من وزنٍ شعري وأغلب شعرهم في وزن الشاشاي. وقال أنَّ قول بعض الباحثين ان السمادير جاءت كلها في وزن الطويل ليس سديداً، فهناك مسادير في وزن القصير،  وأنَّ سبعة من الشعراء قالوا الشِّعر في وزن القصير أبرزهم: ودْ الفَرَّاش،  عبد الله أحمد أبوسن شقيق الحاردلو  وآخرين. وأشار إلى أنَّ هناك مسادير في وزن الشاشاي مثل شعر الشاعر المدني الكردوسي الذي توفي صغيراً في السن ( 1909- 1936م) فهو نظم أول مسدار زماني، وقد وقف الحاردلو أمام قبره وقال قولته المشهورة: “الغُنا إندفن هِنا” !

الخرطوم- الطريق

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/01/دشاب.jpg?fit=300%2C163&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/01/دشاب.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقثقافة وفنونثقافةقَطعَ الباحث ميرغني ديشاب بأنَّ قيام مشروع حلفا الجديدة الزراعي، في ستينيات القرن الماضي، شكَّل ضربة قاصمة و عنيفة لحياة البطانة البدوية، وحولها من حياة رعوية منطلقة في سهلٍ منبسط، الى حياةٍ زراعية مُستقرة، الأمر الذي بدَّل نمط العيش في البطانة وقلب حياة الناس رأساً على عقب. وقال ديشاب في...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية