توقفت طويلا عند نبأ رددته الصحف دون توسع فيه يشير إلى أن هذا العام سيشهد تقاعد أربعة آلاف وخمسمائة مُعلم عن العمل بسبب بلوغهم السن القانونية للتقاعد، في وقت تواجه الوزارة نقصاً حاداً في عدد المعلمين المدربين مما ينعكس سلباً على العملية التعليمية في البلاد، وهو أمر ظل المسؤولون يشكون منه ويحذرون من تدهور التعليم ما لم يعالج النقص الحاد في عدد المعلمين المدربين، ويطالبون بمضاعفة الجهود لتدريب أجيال جديدة من المعلمين في أقصر وقت لسد هذا العجز.

من الطبيعي أن يكون هناك سن قانوني للتقاعد ولكن في الغالب الأعم فإن العاملين يبلغون سن التقاعد وهم ما زالوا قادرين على العطاء والقيام بواجبات وظائفهم بكامل الكفاءة، إذ أنهم يتمتعون بحالة صحية تعينهم على ذلك، وخبرات واسعة اكتسبوها خلال فترة عملهم فأصبحوا ثروة قومية يجب المحافظة عليها خاصة في مهنة تعاني نقصاً حاداً في الاشخاص المدربين على أدائها، وهذا لا ينطبق على المعلم وحده بل يطال تخصصات عديدة.

وفي نفس الوقت نحن نشهد هجرات متصاعدة للأكفاء من السودانيين في مجال التعليم وفي كافة التخصصات النادرة، لأن أولئك النفر من المهنيين المدربين يجدون سوقا رائجة خارج السودان ومرتبات مجزية مقارنة بالدخل المحدود الذي يتقاضونه في السودان، وهناك الآلاف من المعلمين السودانيين ذوي الكفاءة والمعرفة والقدرة المهنية العالية الذين هاجروا لمختلف اقطار العالم وخاصة للدول العربية، بل هم يشكلون أغلبية بين المعلمين الوافدين لبعض البلاد العربية، ومن حقهم أن يتطلعوا لأوضاع اقتصادية أفضل توفرها لهم هذه الهجرات، لكن غيابهم يزيد من حدة النقص في عدد المعلمين العاملين داخل البلاد.

في مثل هذه الظروف يصبح من غير المعقول ولا المفهوم أن نضحي بهذه النسبة العالية من المعلمين الاكفاء بحجة أنهم قد بلغوا السن القانونية، وثمة وسائل عديدة لتخطي هذه العقبة وذلك بإعادة التعاقد معهم لمواصلة عملهم في المجال التعليمي بعد تقاعدهم لسد النقص الحاد في المعلمين المدربين من ناحية، ولإثراء العملية التعليمية من ناحية أخرى.

 وما ينطبق على المعلمين ينطبق على تخصصات أخرى عديدة ولابد أن يكون الاستخدام بعد سن التقاعد مبدأً مقرراً في كل مجال عمل يعاني من نقص في الكوادر العاملة.

على أن ذلك وحده لا يكفي إذ لابد من إعادة النظر في الرواتب وشروط العمل بحيث تضمن هذه المهن للعاملين فيها الدخل المعقول الذي يوفر لهم قدراً معقولا من الحياة الكريمة حتى نخفف من حدة الهجرة المتصاعدة للكفاءات السودانية في شتى المجالات، ونحصر مثل تلك الهجرات في أقل حدودها.

مشكلة النظام التعليمي أكبر من توفير الخبرات وحدها إذ أن النظام التعليمي يعاني من أمراض كثيرة، ويحتاج لإصلاحات جذرية وهامة وعاجلة سواء في محتواه أو في البيئة التعليمية أو الاعتمادات المالية، ولكن يظل المعلم الكفء عالي التدريب والقدرات ركناً أساسيا في العملية التعليمية، فالبلاد لا تحتمل نزيفا مستمرا في الكوادر المدربة سواء بالهجرة أو بالتقاعد أو بالعزوف عن الالتحاق بهذه المهنة أو تلك بسبب قلة عائدها المادي، ولذلك ينبغى أن تهتم وزارات التربية ـ المركزية والولائية ـ بالنظر في هذا الأمر بدءاً من إعادة استخدام القادرين من الذين بلغوا سن التقاعد، وتحسين شروط العاملين وقفاً لنزيف الهجرات، وأن تحذو مختلف المؤسسات الأخرى التي تعاني أزمة في القدرات البشرية نفس هذا المنهج، فالذي يحدث في مجال التعليم يتكرر بصورة أو بأخرى في جوانب أخرى عديدة ويتسبب في أوجه قصور تطال تقديم الخدمات أو حتى إنجاز المشاريع التنموية ولذلك فهي قضية عامة لا تقتصر على مهنة بعينها ومعالجتها يجب أن تكون سياسة معتمدة لدى الدولة ومنفذة بطريقة عاجلة.

محجوب محمد صالح 

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?fit=300%2C148&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالتعليم توقفت طويلا عند نبأ رددته الصحف دون توسع فيه يشير إلى أن هذا العام سيشهد تقاعد أربعة آلاف وخمسمائة مُعلم عن العمل بسبب بلوغهم السن القانونية للتقاعد، في وقت تواجه الوزارة نقصاً حاداً في عدد المعلمين المدربين مما ينعكس سلباً على العملية التعليمية في البلاد، وهو أمر ظل المسؤولون...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية