عام مر.. على رحيل ايقونة الشباب السوداني الفنان محمود عبدالعزيز الملقب بـ”الحوت”،ففي مثل هذا الشهر من العام الماضي، وتحديداً في يوم 17 يناير2013م  اغمض معشوق الشباب عينه في العاصمة الاردنية عمان الذي وصلها في صمت وسكون من اثر الغيبوبة التي لم يفق منها الى الابد.

رحل الحوت عن (45) عاما وبضعة اشهر حيث أبصر النور في حي المزاد وهو احد الضواحي الشعبية بالخرطوم بحري التي تشكل احد اضلاع العاصمة المثلثة مع الخرطوم وام درمان في 16 اكتوبر1967م. وعاش طفولة عادية بين اقرانه وان تاقت نفسه الأمارة بالابداع مبكرا الى الغناء والموسيقي والمسرح، وقد شارك في برنامج الاطفال الاشهر بتلفزيون السودان”جنة الاطفال” قبل ظهوره الاول على خشبة المسرح القومي في مسرحية للاطفال ايضا بعنوان “أمي العزيزة”.

أصاب رحيل محمود شباب “السودانيين” بحالة حزن عميقة توازي صدمة رحيل المبدعين العمالقة في الوطن العربي ، امثال كوكب الشرق “ام كلثوم” و العندليب الاسمر “عبدالحليم حافظ”،  لأن محمود لم يكن مجرد فنان بل كان ظاهرة “احتجاج” وتيار”رفض” بغنائه وبمواقفه الحياتية والإنسانية.

حيث شكل امثولة للشباب الذي كان ينخرط في تقليده . ولا يقتصر العشق المهووس للراحل على السودان الشمالي، فحسب بل تعداه الى الجنوب السوداني – رغم الانفصال – الذي يعشق أغنياته وألحانه  وحنجرته الاسطورية ، وكثيرا ما تطلبه جوبا ليطرب لياليها بينما تصدح اغنياته في الاندية والاسواق والمطاعم تعبيرا على الوحدة الروحية بين البلدين رغم الانفصال المادي .

أحد ألبومات الفنان محمود عبد العزيز - صورة ارشيفية
أحد ألبومات الفنان محمود عبد العزيز – صورة ارشيفية

وقد لفت تشييعه غير المسبوق انظار الجميع حيث يندر ان تتبع الجماهير نعوش غير القادة السياسيين البارزين او كبار مشائخ الطرق الصوفية بتلك الطريقة، ما حدا برئيس حزب الأمة القومي بالسودان وإمام طائفة الأنصار ، الصادق المهدي، إلي وصف الأحداث التى رافقت مراسم التشييع بأنها (حالة احتجاج شبابي) جعلت من الراحل أيقونة تتجاوز الإعجاب بفنه إلى حالة من الموالاة والاستقطاب والعشق صيرته ليصبح (شيخ من لا شيخ له)، واشار المهدي إلى أن ما أسماه (الحوتية) التي أضحت (شياخة جديدة).

كيف لا، فمحمود عبدالعزيز تحول لمايشبه تعبيرا حيا لطريقة حياة جيل بأكمله، بما امتلكه من كاريزما لافتة لاتخطئها الأعين، وبما اشتهر عنه من بساطة دون تكلف ووجه بشوش دون تصنع ، ولعل هذا ماعبر عنه بشكل دقيق الاعلامي الشهير خالد عويس في مقالته الموسومة .. محمود..(واحد من الناس) اذا يقول:”بساطةُ محمود الصوفية المذهلة، وتعبيره الصادق عن خيبات الشباب وأحلامهم المحطمة، بل وعلى نحوٍ أدق (الغربة) الداخلية الهائلة، هذا من جانب، وآمالهم العريضة في المقابل، وكفاحهم من أجل غدٍ أفضل، هذا المزيج النادر، شديد الخصوصية والصدق، جعل منه رمزاً شبابياً كبيراً، خاصةً وأن محموداً مثّل أيضاً في البعد الإنساني، حالةً إنسانيةً نادرة، كونه قدم نفسه بكل ما فينا جميعاً – كبشرٍ طبيعيين – من تناقضات واهتزازات وانكسارات وهزائم وانتصارات ونجاحات وصعود وارتقاء، في ظل تمددٍ هائل لنزعات النفاق وارتداء الأقنعة الزائفة. لم يكن مزيفاً. كان صادقاً في نجاحاته، وكان صادقاً في هزائمه، مثل الغالبية العظمى من الشباب، الذين يحاولون (التمرد)، بصور شتى، على إحباطات هائلة على الصعد كافة، سياسيا وثقافيا واقتصاديا وعاطفيا ونفسيا، ووجدوا فيه هو، من يعبّر عن كل هذا، متمثلاً صورة الفنان في حالات صعوده وهبوطه النفسي، واستجابته للمناخ العام، سلباً وإيجاباً، فرحاً وحزناً. إنها حالةٌ، كما شبهها صديق، تماثل حالة مغني الريغي العالمي، من أصول جامايكية، بوب مارلي، وحالة الفنان الإثيوبي الشاب، تيدي أفرو، كأقرب مثالين يحبهما أيضاً طيفٌ واسعٌ من الشباب السودانيين”.

وتلك الكاريزما السالفة الذكرجاءت معززة بموهبة استثنائية، وخامة صوتية تجاوز مدى الإدهاش فمع أن الحوت من الخامات الصوتية الغليظة، لكن ميزته موهبة فائقة سهلت انتقالا بسلاسة في المنحنيات الموسيقية العالية والخفيضة، بما يجلب أكبر قدر من التطريب والتنغيم بجانب أن تجربته الغنائية طوفت على جميع أطراف السودان، من الشرق والغرب والشمال والجنوب. بالرغم من أن محمود يكاد يكون حالة فريدة في مسيرة الأغاني السودانية إذ لم يجرب تلحين أي من الأعمال التي تغنى بها على الإطلاق.

واعتبر الكثيرون ان نظام الحكم تجنب كثيرا ان تتحول مراسم التشييع الى ثورة عارمة ضده، فعمد بطريقة مكشوفة الى ارسال طائرة خاصة لنقل جثمان الراحل من العاصمة الاردنية عمان والاصرار الشديد على موارة الجثمان الثرى ليلا بجبانة الصبابي بالخرطوم بحري خوفا من وصول اعداد اضافية يصعب السيطرة عليها في ظل تدفق الحشود الجماهيرية التي تناسلت من كل فج عميق لمرافقة الجثمان لمثواه الاخير. وقد وجهت اتهامات الى الحكومة وقتها بالتلاعب في تحديد موعد وخط سير النعش خشية اندلاع تظاهرات مناهضة لها.

ويرى كثيرون ان الأشهر القليلة التي فصلت بين مرض محمود الأول ومرض موته الأخيرة وصفها البعض بـ (فجة الموت)، لم يهنأ الحوت فيها بشيء فسرعان ما تفجرت تداعيات حادثة مسرح الجزيرة الذي تسبب عشاق محمود في تحطيمه لتأخره في المجيء إليهم وما أعقب الأحداث من اجراءات قاسية أرهقت الحوت جسديا ومعنويا .ومن عجائب  الأقدار ، ان محمود عبدالعزيز رحل في ذات التوقيت الذي رحل فيه مصطفى سيد أحمد بالعاصمة القطرية الدوحة منذ (17) عاما، ليصبح الحزن “حزنان” كما يقولون.

الطريق الثقافي

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/01/543861_10151240612098226_1629023002_n-300x300.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/01/543861_10151240612098226_1629023002_n-95x95.jpgالطريقثقافة وفنونمحمود عبد العزيز ، الحوت ، الفنان محمودعام مر.. على رحيل ايقونة الشباب السوداني الفنان محمود عبدالعزيز الملقب بـ'الحوت'،ففي مثل هذا الشهر من العام الماضي، وتحديداً في يوم 17 يناير2013م  اغمض معشوق الشباب عينه في العاصمة الاردنية عمان الذي وصلها في صمت وسكون من اثر الغيبوبة التي لم يفق منها الى الابد. رحل الحوت عن (45) عاما...صحيفة اخبارية سودانية