الحديث عن العطالة في السودان على أهميته لا يعتمد على احصاءات دقيقة شأنه شأن كل قضايانا الهامة- الاحصاءات المتوفرة شحيحة جدا وهي رغم شحها غير دقيقة ولا ترسم صورة حقيقية للواقع والبيان الذي قدمته وزارة العمل عيبه الاساسي انه يفتقر تماما للاحصاءات الحقيقية وهو يعتمد اساسا على مسح اجتماعي قاصر للهجرة والقوى العاملة اشار يومذاك الى ان حجم سوق العمل بلغ خمسة ملايين وثلاثمائة الف شخص وكل التحديثات اللاحقة بما فيها المسح الذي اجرى عام 2011 كانت مجرد (اسقاطات) على ذلك التعداد القديم وهو ايضا اتسم بالقصور.

مهما يكن من امر فان تلك الاحصاءات القاصرة تشير الى ان حجم العمالة الذي قدر الآن يقترب من العشرة ملايين(9.7مليون) وعلى ضوء ذلك قدرت نسبة العطالة باكثر قليلا من تسعة عشر في المائة ونحن نشك كثيرا في صحة هذه التقديرات ونعتقد ان النسبة اكثر من ذلك بكثير من واقع الانكماش الاقتصادي الذي نعيشه الآن ومازلنا نفتقر تماما لاستراتيحية شاملة لتنشيط سوق العمل والتعامل مع العطالة خاصة وسط الشباب بطريقة مدروسة وهذا الخلل زاد من مساحة الفقر في البلاد ودفع الناس دفعا للهجرة غير المشروعة عبر كافة المنافذ المتاحة رغم تعرض المهاجرين غير الشرعيين الى مخاطر جمه في الطريق او حتى بعد الوصول الى الاقطار التي يهاجرون اليها.

واسوأ ما يواجه الشباب انه لا يتم اعدادهم اعدادا جيدا لمواجهة متطلبات سوق العمل وثمة تقصير واضح وفاضح في مجال التعليم الفني والتقني والمهني رغم في وقت سابق كنا قد حققنا نتائج متقدمة في هذا المجال وكانت عندنا التلمذة الصناعية والتعليم المهني والتعليم الفني والتدريب الحرفي لكننا دمرنا كل هذه المؤسسات وفي نفس الوقت تعرض التعليم سواء في مستواه العام او العالي الى أزمة فتدهور مستواه بصورة لافته وتقلص الصرف عليه الى ما دون المحتوى واختل محتواه وغاب المعلم الكفء والبيئة المدرسية الصحيحة- وزدنا الأمر سوءا(بالتعريب) غير المرشد فالتعريب لا يعني اهمال اللغة الاجنبية كلغة ثانية تفتح افاقا ارحب لمواصلة التقدم في كافة مجالات المعرفة بل وتتيح لخريج الجامعة او اي معهد من معاهد التعليم فرصة للعمل خارج المنطقة العربية في آسيا او افريقيا عبر لغة ثانية كما اضعفت قدراته في الحصول على المزيد من المعارف والمعلومات التي باتت متاحة باللغات الاخرى وهذا اثر سلبا على قدرته التنافسية في سوق العمل الاقليمي.

أما المجالات الصناعية والفنية فاننا قد استهلكنا رصيدنا مع عمال الصناعة الاكفاء بالهجرة الى دول الجوار دون ان ننجح في تدريب المزيد من الشباب لسد الفراغ والآن نحن نرى سوق العمل المحلي يستعين بالوافدين والمهاجرين من شتى دول الجوار وعندما يصرخ الناس شاكين من زيادة العمالة الاجنبية ينسون ان هؤلاء يسدون فراغا حقيقيا في سوق العمل الداخلي لاننا اهملنا اعداد وتدريب ابنائنا على هذه المهن الهامة وذات العائد المالي المجزي.

ان قضية العمالة ومكافحة البطالة وربط التعليم بسوق العمل وبناء واعادة اجهزة اعادة التدريب والاعداد التي تكفل المرونة ومواكبة المتغيرات ذات الابعاد الاقتصادية والتقنية واصلاح النظام التعليمي المنهار قضايا مرتبطة ببعضها البعض ارتباطا وثيقا ولا يمكن الفصل بينها او تجزئة القضايا ولا يمكن ان تقوم بها جهة واحدة مثل وزارة العمل لان المسئولية مشتركة بين جهات عديدة وليست امرا تعالجه مؤسسات الحكومة وحدها فلابد ان يشارك فيه المجتمع ولذلك ظلت وزارة العمل تقدم تقارير بصورة رتيبة للبرلمان ويجيزها البرلمان بنفس مستوى الرتابة وتظل المشكلة قائمة وازمة البطالة تزداد حدة ودائرة الفقر تزداد اتساعا!!

محجوب محمد صالح

التصدي للعطالة في السودان يحتاج لاستراتيجية شاملةhttps://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob.jpg?fit=147%2C169&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقأصوات وأصداءحق العملالحديث عن العطالة في السودان على أهميته لا يعتمد على احصاءات دقيقة شأنه شأن كل قضايانا الهامة- الاحصاءات المتوفرة شحيحة جدا وهي رغم شحها غير دقيقة ولا ترسم صورة حقيقية للواقع والبيان الذي قدمته وزارة العمل عيبه الاساسي انه يفتقر تماما للاحصاءات الحقيقية وهو يعتمد اساسا على مسح اجتماعي...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية