أخذت تتأصل في السودان ثقافة غريبة تربط الاداء والانتاج في الجهاز الحكومي بتعيين شخص جديد في المنصب القيادي في الموقع المعني كأنما جهاز الدولة يقوم على فرد واحد في كل موقع- والآن بعد تعيين الولاة الجدد تنتشر التعليقات التي تطلب من الوالي الجديد أن يحدث مشكلات في معالجة ازمات ولايته التي استعصت على الحل ابان ولاية سلفه الوالي السابق.

هذا يعني ان الثقافة السائدة تعترف بالانهيار التام للمؤسسية وان امر البلاد والعباد بات رهينا بمعجزات يحققها افراد واذا كان ذلك الفرد حقق نجاحا في المرحلة السابقة في موقع زادت التوقعات في قدرته على احداث المعجزات في موقعه الجديد- رغم انه يسعمل مع نفس التركيبة المؤسسية ونفس هياكل الدولة التي انتجت الفشل السابق!

كثيرون الان يتوقعون ان يحقق والي الجزيرة من المعجزات ما فشل في تحقيقه الولاة السابقون وحجته في ذلك انه نجح في تنمية وتجميل مدينة بورتسودان الساحلية، دون ان ينظروا في باقي اوضاع الولاية التي ما زالت تعاني نقصا مريعا في الغذاء والمياه في مدنها واريافها ومازالت سوء التغذية فيها هي الاعلى ارتفاعا ومازالت الامراض المستوطنة هي الظاهرة الملفتة للنظر ومازالت نسبة الفقر بين السكان في ارتفاع وما كان يتوقع من والي البحر يومها ان يمتلك عصا سحرية تمسح كل ذلك فورا ولكن كانوا يتوقعون خطة اكثر انحيازا للفقر ونجاحات في الريف تضاهي نجاحات المدينة وتبعث الامل في نفوس اهله الذين زادت معاناتهم حتى تنفتح امامهم كوة أمل.

وتجميل المدينة واصلاح حال مرافقها ومحاولة طرحها كمنطقة للسياحة الداخلية والخارجية مشروع مقبول لكنه لابد ان يأتي ضمن نهج متكامل يعطي الاولوية لتحريك الريف الساكن المتخلف واهله الذين يرزحون تحت خط الفقر والجهل والمرض.

وحتى لو اعتبرنا اصلاح المدينة انجازا عظيما فهو نتاج ظروف محددة كان الوالي السابق اكثر دراية بالتعامل معها ولكن تلك المعرفة لن تصاحبه عندما ينتقل لموقع اخر مثل ولاية الجزيرة ذات المشاكل المختلفة والاكثر تعقيدا والواقع في هذه الولاية يختلف كثيرا عن واقع البحر الاحمر ومشروع الجزيرة الذي يتحدثون عنه هو مرفق قومي وليس مرفقا ولائيا ودور الولاية فيه محدود وهناك ولايات اخرى يتمدد فيها المشروع بجانب ولاية الجزيرة واكثر قضاياه مرتبطة بالمركز وليس بالولاية وهو في المركز موزع بين وزارات وهيئات مختلفة مثل الزراعة والري وهيئة الابحاث الزراعية ويديره مجلس ادارة طال به المكوث في كراسيه والسيطرة على مجريات الاحوال بدعم مركزي-ومن الظلم للوالي الجديد تحميله مسئولية انقاذ مشروع قومي انهار بسبب سياسات المركز القاصرة وبسبب سيطرة جماعات بعينها على امره وقد اكتمل الآن تبديد اصوله وممتلكاته السابقة واصبح في حاجة الى اعادة بناء ويحتاج الى تمويل هو مسئولية المركز والولاية ليست لها من يد في ذلك!

وما تعهد به الوالي الجديد هو فوق صلاحياته وما طرحه للاصلاح من تنويع للتركيبة المحصولية وادخال الحيوان في الدورة الزراعية وتطبيق التقانات الحديثة كررها الكثيرون من قبل دون ان يتحقق.

مشروع الجزيرة لن تعالجه اي مجهودات ولائية حتى لو كانت(واد مدني) هي قلب الجزيرة النابض كما تصفها المأثورات السودانية وهي في احسن الحالات قلب قد شاخ تماما وفي حاجة لمن يعالجه ولكن دورها ابان مجدها كان هو دور المستفيد من امكانات المشروع وليس دور الفاعل الاصيل في ادارته.

مشروع الجزيرة يحتاج الى اصلاح جذري وبتكلفة مالية ضخمة توفرها وتديرها حكومة مركزية راشدة ومجتمع زراعي متفاعل وهو في طاقة اي ولاية من الولايات التي يتمدد فيها المشروع فلا تكلفوا ايا من تلك الولايات ما هو فوق طاقتها وابحثوا عن مقاربة جديدة لانقاذ هذا المشروع العملاق الذي انهار.

محجوب محمد صالح

انقاذ مشروع الجزيرة ليس مسئولية(ولائية) !https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقأصوات وأصداءالزراعةأخذت تتأصل في السودان ثقافة غريبة تربط الاداء والانتاج في الجهاز الحكومي بتعيين شخص جديد في المنصب القيادي في الموقع المعني كأنما جهاز الدولة يقوم على فرد واحد في كل موقع- والآن بعد تعيين الولاة الجدد تنتشر التعليقات التي تطلب من الوالي الجديد أن يحدث مشكلات في معالجة ازمات...صحيفة اخبارية سودانية