أي مشروع للحوار الوطني لمعالجة أزمة السودان يجب أن يكون هدفه الأول تغيير نظام الحكم من حكم الحزب الواحد السلطوي إلى نظام ديمقراطي يشارك فيه كل أهل السودان، ويرسى قواعد الحرية والعدالة والتنمية المتوازنة، وينهي الحرب توطئة لبسط السلام والاستقرار. احزاب المعارضة ليس لديها مشكلة مع هذه القاعدة لأنها أصلا تدعو للتغيير الديمقراطي وهي تستطيع اليوم أن تنخرط بكل فصائلها في حوار بينها حول كيفية تحقيق هذا الهدف، لكن المشكلة تواجه الحزب الحاكم الذي ظل يسيطر على السلطة على مدى ربع قرن من الزمان ولن يتخلى عنها بسهولة ولن يميل نحو اي حوار يمكن أن يجرده من سلطاته المطلقة التي ظل يمارسها عبر السنوات إلا إذا أدرك أن الأزمة وصلت حداً لا يمكنه معها احتكار السلطة لوقت أطول.

هذه هي الظروف الموضوعية التي دفعت بعض الدول في شتى أنحاء العالم لإدارة حوار وطني ناجح أحدث تحولا جذريا في واقع تلك الدول وذلك عندما أحست الجماعة الحاكمة بأن احتكارها للسلطة أصبح أكثر تكلفة من قبول تفكيك نظام حزبها الواحد. ولذلك لابد ان تطرح المعارضة على نفسها هذا السؤال المحوري: هل يحس الحزب الحاكم في السودان بأنه لا مخرج أمامه إلا بالانخراط في حوار مع كافة القوى الأخرى للاتفاق على الخروج الآمن من نفق الحكم الاستبدادي إلى رحاب الديمقراطية؟. إذا كانت الإجابة بالإيجاب يصبح الحوار مجدٍ ومقبولاً كوسيلة ناجعة لإحداث التغيير، أما إذا كانت الإجابة سالبة فلا جدوى من الحوار، وإن الحزب إذا طرحه وهو غير مقتنع بضرورة التغيير إنما يطرحه على سبيل المناورة التي في أحسن حالاتها تعني استعداده لاستقطاب فصيل أو أكثر من المعارضة للانضمام لركب حكم الحزب الواحد.

إذا كانت تجربة الحوار الوطني الذي طرحه الحزب الحاكم قد انهارت عند أول اختبار كما قال السيد الصادق المهدي في خطبته بالأمس فإن الممارسات التي حدثت خلال الأسابيع القليلة والتي أعادت الكرة إلى المربع الأول في باب الحريات والحراك السياسي كانت تعبيراً عن رد الحزب الحاكم على السؤال المحوري، ودليلاً على عدم قناعته بأن معطيات الوضع الحاضر تفرض عليه أن يفكك نظام حكم الحزب الواحد الذي يتولاه لصالح جماعية المشاركة والتحول الديمقراطي. ولذلك ينبغي على قوى المعارضة أن تدرك هذه الحقيقة الواقعية العملية وتفهم تماماً الأبعاد المسموح بها في إطار مشروع الحوار الذي يقبله الحزب الحاكم ولا يسمح بتجاوز حدوده.

إذا أدركت المعارضة هذه الحقيقة الأولية فإن الواقع يفرض عليها أن تنصرف لإدارة حوار بين مكونات المعارضة حول أجدى الطريق لإحداث التغيير المطلوب الذي يخدم قضية التحول الديمقراطي والسلام المطلوب في السودان، وما هي القوى الداعمة لمشروع التغيير، وما هي قدراتها على فرض المشروع على أرض الواقع وتعبئة القوى المجتمعية المختلفة لمساندته وخلق الرأي العام الجماعي القادر على الضغط في سبيل تحقيقه. لقد كان طرح الدكتور غازي صلاح الدين هو الاقرب لهذا المفهوم حين نادى بالأمس بإجراء حوار حقيقي مع الشعب ممثلاً في كافة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني للوصول للمشروع الوطني الجديد وعدم الدخول في حور يملي شروطه الحزب الحاكم، وإذا طور السيد الصادق المهدي أطروحاته الأخيرة التي أذاعها بالأمس في خطبة الجمعة في هذا الاتجاه وسعى مع الآخرين لتشكيل جبهة موحدة من كل هذه القوى في الداخل والخارج لتطرح مشروعها الوطني فإن ذلك سيحدث نقلة نوعية في الواقع السياسي المأزوم الذي نعيشه الآن.

محجوب محمد صالح

البحث عن المشروع الوطني الجامعhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,الحوارأي مشروع للحوار الوطني لمعالجة أزمة السودان يجب أن يكون هدفه الأول تغيير نظام الحكم من حكم الحزب الواحد السلطوي إلى نظام ديمقراطي يشارك فيه كل أهل السودان، ويرسى قواعد الحرية والعدالة والتنمية المتوازنة، وينهي الحرب توطئة لبسط السلام والاستقرار. احزاب المعارضة ليس لديها مشكلة مع هذه القاعدة لأنها...صحيفة اخبارية سودانية