قبل أن يختبر الصحافيون في السودان بشريات خطاب الرئيس ببسط الحريات والمشاركة السياسية، كانت صُحُفهم تتلقي سيل من التوجيهات الأمنية التي حالت دونهم والتعليق علي حديث الرئيس.

وعشية خطاب جماهيري ألقاه البشير، أمام حشد من أعضاء حزبه وعدد من قادة الأحزاب السياسية السودانية، أثار سيل من الإنتقادات للرئيس وحكومته، تلقت صحف في الخرطوم توجيهات أمنية صارمة بعدم تناول “سلبيات خطاب الرئيس”، وعدم نشر أي إنتقادات للخطاب، الذي بات يوصف إعلامياً بـ “خطاب الوثبة”، بسبب حديث مُبهم للرئيس حول النهوض الاقتصادي والحريات العامة تحت مسمي “الوثبة”.

وكشف صحفي يعمل لصالح صحيفة الخرطوم عن تلقي صحيفته توجيهات شفاهية عبر الهاتف من وحدة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات بعدم نشر اي تعليقات سلبية علي خطاب الرئيس.

وقال الصحفي – الذي طلب عدم ذكر إسمه –  لـ (الطريق) ان:” هنالك توجيهات شفاهية عبر الهاتف تلقتها صحيفة (الخرطوم) بعدم  انتقاد خطاب الرئيس، والتوقُف عن نشر اي تعليقات سلبية علي الخطاب”، واضاف: ” هنالك مواضيع كثيرة تناولت خطاب الرئيس من زوايا مختلفة تم حجبها عن الصحيفة بسبب التوجيهات الأمنية”. لكنه لم يتمكن من تقديم إحصائية دقيقة حول عدد الموضوعات التي مُنعت من النشر.

وكانت صحيفة سودانية مستقلة قد تم تعليق صدورها،السبت الماضي، بعد مصادرة عدديها ليومي الأربعاء والجمعة الماضيين.

 وقال مسئولون بصحيفة (الجريدة) السودانية التي تم تعليق صدورها، السبت، ان جهاز الأمن والمخابرات السوداني قد أمر بتعليق صدور الصحيفة الي أجل غير مسمي، بسبب مخالفات نشر ارتكبتها الصحيفة، بحسب الزعم الأمني.

وأوضحت صحفيّة تعمل لصالح صحيفة الجريدة في حديث لـ(الطريق) إن جهاز الأمن والمخابرات صادر صحيفتها يومي الأربعاء والجمعة الماضيين، قبل أن يُصدِر توجيهاته بتعليق صدور الصحيفة لأجل غير مسمي، السبت الماضي.

وأبانت الصحفية – التي فضلت حجب إسمها – ان تناول ملف فساد “بشركة الأقطان السودانية” كان السبب وراء تعليق صدور الصحيفة.

ولم يتسني لـ(الطريق) الحصول علي تعليق فوري من جهاز الأمن والمخابرات حول الحادثتين.

وأكدّت شبكة صحفيون لحقوق الإنسان (جهر) مُصادرة الصحيفة. ووصفت (جهر) توجيهات رئيس الجمهورية ،حول بسط الحريات، بأنها:” مُجرّد وُعود فارغة للإستهلاك المحلّي، والعالمي، بغرض ذر الرماد على العيون، وتقديم صُورة ليست حقيقيّة عن الواقع المُعاش”.

 وقالت (جهر) ان :” المُمارسة اليوميَّة لجهاز الأمن تؤكد مُواصلة التعدِّى على الحريات الصحفية، وإستمرار ذات السياسات المُعادية لحريّة الصحافة والتعبير والنشر” .

في سياق متصل، أدانت شبكة الصحفيين السودانيين “استمرار تدخل جهاز الأمن في عمل الصحف بمصادرتها وتعليق صدورها”. واعتبرت الشبكة ان التعدي علي حرية التعبير “مخالفة واضحة للمواثيق الدولية التي صادق عليها السودان”، حسبما أورد بيان للشبكة، اطّلعت عليه “الطريق”.

ونظمت شبكة الصحفيين السودانيين عددا من الوقفات الاحتجاجية، العام الماضي، واضرابا عن العمل احتجاجاً علي التدخلات الأمنية والمضايقات التي يتعرض لها الصحافيين.

وعلي صعيد المُضايقات الأمنية والانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون في السودان، حملت إفتتاحية صحيفة (المشهد الآن) اليومية، الثلاثاء الماضي، اعتذاراً من الصحيفة لجهاز الأمن والمخابرات عن خطأ، غير مُبيّن بالافتتاحية قالت الصحيفة أنها وقعت فيه، مصحوباً  بفصل رئيس تحرير الصحيفة، “نورالدين مدني”.

وقانوناً، تتم إجراءات الفصل عن العمل في المؤسسات السودانية بإخطار مكتب العمل أولاً، ثم إخطار الموظف الذي تريد المؤسسة فصله، لكن ما حملته الإفتتاحية اعتبره قانونيون إجراءاً تعسفياً ومُخالفة لقوانين العمل.

وقال شوقي يعقوب المحامي في حديث لـ(الطريق) : “ان إجراءات فصل مدني مخالفة للقانون، وانتهاك لحقه”.

ويري صحافيون ان فصل مدني تشهيراً اكثر منه إجراءاً إدارياً، ويُرحج البعض ان ضغوط أمنية وراء فصل مدني.

ومنع جهاز الأمن والمخابرات العديد من الصحافيين من ممارسة عملهم، خلال العام الماضي ومطلع العام الحالي، إما بتوجيهات مباشرة من جهاز الأمن لرؤساء تحرير الصحف، أو بمهاتفة الصحفي وإخباره بأمر الإيقاف.

 لكن هذه ثاني مرة يتم فيها عزل رئيس تحرير من منصبه بسبب ضغوط أمنية علي المؤسسات الصحفية. ووقعت الأولي، العام الماضي، حين تم عزل رئيس تحرير صحيفة الصحافة، النور احمد النور، من منصبه بتوجيهات من جهاز الأمن والمخابرات.

وواجهت الصحافة السودانية، طوال العام المنصرم، موجة قمع عنيفة من الأجهزة الأمنية والسلطات الحكومية لم تسلم منها حتي تلك الصحف الموالية للنظام.

وبحسب إحصاءات مستقلة، صادر جهاز الأمن والمخابرات خلال العام الماضي طبعات مختلفة لعدد من الصحف، جُملتها (32) عمليّة مصادرة.

وتتم مصادرة الصحف، عادة، بدون إبداء اي اسباب من قبل جهاز الأمن والمخابرات، لكن صحافيون فسّروا المصادرة بأنها إجراء عقابي يهدّف الي  إيقاع خسائر مالية فادحة علي الصحف التي لا تلتزم بتوجيهات الأمن.

وظلّت صحيفة (الميدان) الناقدة، التي يصدرها الحزب الشيوعي السوداني، ممنوعة من الطباعة بتوجيهات من جهاز الأمن لأكثر من عام ونصف.

كما ظلت صحيفتي (التيار) و (رأي الشعب) مغلقتين بدون اسباب معلنة وبدون أمر قضائي منذ مطلع العام 2012م.

ويفرض جهاز الأمن والمخابرات في السودان رقابة صارمة علي الصحف ووسائل الإعلام، بجانب العديد من الإنتهاكات الأخري كمصادرة الصحف، وتوقيفها، ومنع النشر، ومنع الصحافيين من الكتابة، واعتقالهم، وملاحقتهم جنائياً بالبلاغات الكيدية، بالإضافة إلي إجبارهم علي تغطية نوع معين من الأخبار، ومنعهم من تغطية أخري.

وتنظر محاكم سودانية في عدد من البلاغات، في قضايا نشر، ضد الصحافيين لم يتم البت فيها.

وما بين المُلاحقات القانونية، والمضايقات الأمنية يظل الصحافيون السودانيون مغلولي الأيدي، أقلامهم مُكبّلة، وممنوعين من الخوض في قضايا عديدة تهم الشأن العام. الأمر الذي يعتبره الصحفيون أنفسم أكبر مهدد لمستقبل مهنتهم.

تحقيقات الطريق

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/01/IMG_0172-300x178.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/01/IMG_0172-95x95.jpgالطريقتحقيقاتالحريات والحقوق,انتهاكات الأجهزة الأمنية,بيان تأسيسي,مصادرة صحيفة سودانية ،قبل أن يختبر الصحافيون في السودان بشريات خطاب الرئيس ببسط الحريات والمشاركة السياسية، كانت صُحُفهم تتلقي سيل من التوجيهات الأمنية التي حالت دونهم والتعليق علي حديث الرئيس. وعشية خطاب جماهيري ألقاه البشير، أمام حشد من أعضاء حزبه وعدد من قادة الأحزاب السياسية السودانية، أثار سيل من الإنتقادات للرئيس وحكومته، تلقت...صحيفة اخبارية سودانية