الحملة ضد الفساد انطلقت ولن تتوقف، ومن الأجدى للحكومة ان تتعامل معها على هذا الساس ولا تحاول أن تضفي عليها صفة أنها حملة معارضة سياسية؛ فهي حملة  لاجتثاث الفساد وحماية المال العام وحماية الأداء العام للدولة، وطبيعي أن المعارضة في كل مكان تُحمِّل وزر الفساد للحكومة القائمة لأنها المشرفة على أداء أجهزة الدولة، ولذلك المطلوب من الحكومة أن تثبت جديتها في إدارة هذه الحملة والتزامها بمبدأ المساءلة والمحاسبة وإعمال حكم القانون دون أي عقبات أو محاولات للالتفاف حول القضايا بمنهج (فقه السترة).

وأمام الحكومة فرصة لإثبات جديتها وذلك باتخاذ إجراءات عديدة تدعم بها محاولات القضاء على الفساد، وأول المطلوب منها إصلاح قانوني يسد أي ثغرات في القوانين القائمة، وقوانين جديدة تتبنَّى القواعد الدولية المعروفة لمحاربة الفساد والتي لخصتها الأمم المتحدة في اتفاقية دولية لمحاربة الفساد ظلت سارية المفعول على مدى سنوات.

الحالات الأخيرة التي سلطت الضواء على بعض الوقائع والحداث كشفت عن بعض قضايا الفساد لكنها أثبتت ان الآليات المتاحة الآن ليست على قدر المسؤولية خاصة وأن اداء وزارة العدل قد اتسم بكثير من الاضطراب في التعامل مع قضية شركة القطان وقضية مكتب والي ولاية الخرطوم، ففي الحالتين بلغ الاضطراب مداه إلى درجة اضطرت وزارة العدل لأن تتدخل بعد أن حُسمت تلك القضايا في احد المستويات العدلية، وتسعى لنقض الحكم أو إلغاء القرار، وقد كان متاحاً لها لو كانت هناك متابعة لصيقة ومباشرة أن تتدخل قبل وصول الأمور إلى هذه النهايات، بل كان في مقدورها أن توقف بعض الممارسات قبل أن تبدأ، ففي حالة شركة الأقطان ظلت الوزارة موجودة داخل الشركة ممثلة في مستشار قانوني، وكان من الممكن للوزارة أن ترفض فكرة التحكيم بدايةً وتصدر فتوى بإنهاء الجانب الجنائي المطروح أمام المحاكم أولاً قبل الدخول في أي تحكيم تجاري لأن القضية الجنائية هي التي ستحدد أوضاع مختلف الأطراف الذين طالهم الاتهام، وبدلاً من ذلك تم تنفيذ قرار اللجوء للتحكيم، وتم اختيار المحكمين، وبدأت هيئة التحكيم في ممارسة عملها بينما وزارة العدل غائبة تماماً عن المشهد ولم تظهر إلا عندما اقترب التحكيم من نهاياته، ولم تلجأ للمحاكم إلا بعد أن صدر حكم التحكيم لتنقضه المحكمة!.

أما في قضية مكتب الوالي فقد كانت المعلومات متوفرة ومُلكت للشرطة، وكان الأمر الطبيعي أن تُحال القضية إلى القضاء، وكان هذا يقتضي أن يكون التفويض الذي مُنح للجنة التحقيق واضحاً وهو أن تتجه للمحكمة لو توفرت لها البيِّنات لأنه ليس من ضمن صلاحيتها الوصول إلى تسوية عبر(التحلل)، ولو كان ذلك محدداً منذ البداية لما ساد هذا القدر من الاضطراب ولما اضطرت الوزارة إلى أن تتدخل بعد صدور قرار لجنة التحقيق وتنفيذه، وسداد الموال المعتدى عليها، وإطلاق سراح المتهمين بعد أن (تحللوا) وإخلاء سبيلهم.

هذا القدر من الاضطراب يزيد درجة الشكوك في قدرة الأجهزة الحالية على التعاطي مع قضايا بهذا الحجم ويدعو للتفكير في آلية ذات قدرة عالية وكفاءة ونزاهة مشهود بها واستقلال كامل عن الجهاز التنفيذي تتولى التحقيق في قضايا الفساد ومتابعتها وفتح البلاغات وتمثيل الاتهام في المحاكم إلى أن تصدر الأحكام النهائية، ولو حدث ذلك فإنه سيكون الدليل الأقوى على توفر الإرادة السياسية لاجتثاث الفساد وضمان حدوث تحقيق تخصصي عالي المستوى يكتسب مساندة الرأي العام، وإذا لم يحدث هذا إلى حين انطلاق الحوار المرتقب ـ إذا قُدر له ان ينطلق ـ فإن تشكيل مثل هذه الآلية ينبغي أن يكون من أولويات قراراته.

محجوب محمد صالح 

حتى لا يسود الاضطراب قضايا الفساد !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادالحملة ضد الفساد انطلقت ولن تتوقف، ومن الأجدى للحكومة ان تتعامل معها على هذا الساس ولا تحاول أن تضفي عليها صفة أنها حملة معارضة سياسية؛ فهي حملة  لاجتثاث الفساد وحماية المال العام وحماية الأداء العام للدولة، وطبيعي أن المعارضة في كل مكان تُحمِّل وزر الفساد للحكومة القائمة لأنها المشرفة...صحيفة اخبارية سودانية