يوم أن اعلنت الحكومة قررها برفع الحصار عن حرية الصحافة بعد أن ظلت تعاني من الرقابة ثم المصادرة من بعد قلت إن ذلك القرار الذي جاء في شكل(توجيه) يحتاج إلى تقنين في نصوص قانونية واضحة تمنع القرارات الادارية والايقاف والمصادرة، وتتمسك بالمبادئ والقواعد الدستورية الواردة في دستور 2005م والتي تكفل تلك الحرية، وأن يكون القضاء هو الحكم في ما يشتجر حوله الناس. وقلت إن الاكتفاء بالتوجيه العام لا يكفي إذ أنه يسمح بالعودة في أي وقت إلى الممارسات السابقة لأن من (يمنح) يحق له أن (يمنع) متى شاء، لكن التقنين الذي طالبنا به لم يتحقق، وهناك من الإرهاصات ما يشير للعودة ألى المربع الأول تحت أجواء الاحتقان الحالي.

لقد بدا لنا وكأن التحذير الذي صدر من رئاسة الجمهورية من تجاوز (الخطوط الحمراء) رغم أنه لم يحمل تهديداً مباشراً بالعودة للممارسات القديمة لكن صياغته توحي بأنه يقدم المبرر لجهات أخرى لكي تقدم على العودة إلى المربع الأول، خاصة وأن البيان تحدث بصورة معممة عن تجاوز(الخطوط الحمراء) في تناول قضايا(لأمن الوطني والشؤون العسكرية والعدلية) وتناول تلك القضايا بصورة سالبة وهادمة، وكل هذه التعابير فضفاضة وتحتمل تفاسير شتى لا يمكن ضبطها؛ فالصحافة ظلت منضبطة في تعاملها  مع(الشؤون العسكرية) باتفاق سابق يقضي بأن الأخبار العسكرية مصدرها الوحيد هو الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، وظلت الصحف ملتزمة بذلك. ولذلك إذا تم توسيع الشؤون العسكرية والأمنية بصورة كبيرة لتشمل قضايا متعددة وكثيرة وغير واضحة، فإن ذلك سيكون مدعاة لسوء الفهم، والخيار الوحيد هو الاحتكام للقوانين القائمة حسبما تفسرها المحاكم وليس للإجراءات الأمنية التي يتخذها الجهاز بإغلاق الصحيفة. أما القضايا العدلية فإن ما تعاني منه الصحف الآن هو الاتجاه لإصدار قرارات تضيِّق ما هو واسع وذلك عندما تحظر النشر بصورة مطلقة في قضايا هي قيد التحري.

وفي كل العالم يتواصل النشر في القضايا وهي في مرحلة التحري بل وفي مرحلة التقاضي دون قيود سوى قيد واحد هو قيد عدم التأثير على سير العدالة، ومن يخرج على هذا القيد المحاكم كفيلة بردعه دون إجراءات إدارية يكون الجهاز التنفيذي هو الخصم والحكم فيها.

الصحافة ليست فوق القانون والحكومة كذلك، ولذلك فإن الاحتكام للقانون هو الوسيلة الوحيدة لمعالجة أي خلاف ينشأ. والانفتاح الذي حدث مؤخراً له نتائج إيجابية كثيرة، وهو يأتي بعد طول حصار للحريات ويحتاج إلى كثير من اتساع الصدر لقبول النقد تحت أوضاع مأزومة، وأي تراجع عنه يشكل نكسة. نحن ندرك ونعترف بأن الإعلام لا ينصب المحاكم، ولا يُجري المحاكمات، ولا يوزع صكوك الإدانة والبراءة وإنما مهمته أن ينشر الحقائق والمعلومات والوثائق التي تبرز الخلل، وأن يفعل ذلك بصورة متوازنة تفتح الباب للرأي والرأي الآخر وللمعلومة المتكاملة التي تغطي جميع الجوانب بمصداقية تامة.

وعلى سبيل المثال فإن الصحيفة التي وجهت اتهاماً بالفساد لمسؤول عبر وثائق نشرتها فتحت صفحاتها لذلك المسؤول ليرد تفصيلياً على كل ما نُشر، ووضعت المعلومة كاملة أمام القارئ في توازن، ورغم ذلك فإن حق الشخص الذي تعرضت له الصحيفة قائم ومعترف به وقد مارسه وفتح بلاغاً ضدها فلماذا لا تترك الحكومة الأمر للقضاء ليحكم فيه؟.

الإنفتاح الذي حدث مؤخراً خطوة أولى على الطريق الصحيح، ولا ينبغي لهذه الخطوة أن تنتكس أو يتم التراجع عنها، وهي في النهاية ستفضي إلى نتائج إيجابية، وقد تثير في مراحلها الأولى حساسيات لدى أجهزة تكيفت على أساليب سابقة تريد العودة لها، ولكن ذلك إذا حدث سيكون نكسة كبيرة نتائجها أخطر من تبعات الانفتاح الحالي!.

محجوب محمد صالح 

حتى لا تكون هناك خطوط حمراء !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتحرية صحافةيوم أن اعلنت الحكومة قررها برفع الحصار عن حرية الصحافة بعد أن ظلت تعاني من الرقابة ثم المصادرة من بعد قلت إن ذلك القرار الذي جاء في شكل(توجيه) يحتاج إلى تقنين في نصوص قانونية واضحة تمنع القرارات الادارية والايقاف والمصادرة، وتتمسك بالمبادئ والقواعد الدستورية الواردة في دستور 2005م والتي...صحيفة اخبارية سودانية