على الرغم من الحجم الكبير للمساعدات الإنسانية التي وصلت البلاد لصالح متضرري السيول والأمطار الأخيرة التى ضربت مناطق متفرقة بالسودان، لا يزال أهالي حي القلعة بمنطقة سوبا التابعة لمحلية شرق النيل يعيشون معاناتهم، يفترشون الأرض و يلتحفون السماء، بعد أن دمرت السيول منازلهم بالكامل، وبحسب أقوالهم فلا قُدمت لهم مساعدات تعينهم في إعادة بناء ما تهدم ولا تم تعويضهم بمواقع بديلة، في وقت أكدت فيه ولاية الخرطوم اكتمال عمليات حصرها للمتضررين كافة وتحديد مواقع التعويض للمواقع البديلة.

قامت (الطريق) بجولة ميدانية، للتعرف على حجم الأوضاع الإنسانية لهؤلاء المتضررين على أرض الواقع.

الناظر لحي القلعة، بالقرب من منطقة الآثار القديمة بسوبا، يخيل إليه لبُرهة أنه أطلال إحدى قرى دارفور المحروقة التي خلفتها الحرب!، ومن سُخرية القدر أن  كافة سكانه ينحدرون من ذات المنطقة، وكانوا قد نزحوا اليه – من منطقة كُلبُس بغرب دارفور-بسبب الحرب ظنّاً منهم أن قلب العاصمة القومية سيكون أكثر أماناً لهم، وسيؤيهم ويصلح حالهم، حيث فقدت أكثر من خمسين أسرة بحي القلعة منازلها بالكامل جراء السيول والأمطار التي اجتاحت العاصمة أواخر أغسطس الماضي، و تعيش جميعها الآن في العراء شبه التام.

يؤكد الأهالي على أنه لم تصلهم المساعدات الإنسانية الرسمية من قبل الحكومة ولا حتى من قبل المنظمات العاملة في الشأن الإنساني، عدا بعض الخيام التي تحصلت عليها بعض الأسر، بمجهودات فردية من لجنة الصليب الأحمر الدولية.

ويُجمع أهالي الحي على معاناتهم من ذات التمييز العنصري والجهوي، الذي أدي إلى ظهور الحركات المسلحة، التي تقاتل الحكومة الآن لأسباب التهميش وعدم العدالة، مشيرين إلى أن عملية تقديم المساعدات للمتضررين لم تخلو هي الأخرى من التمييز، حيث تم حرمانهم من جميع المواد الغذائية التي تم توزيعها على أهالي منطقة سوبا بحُجة أنهم لا يتبعون للمنطقة وأنهم يقطنون بصورة عشوائية.

أحياء متأثرة بالسيول والامطار بسوبا - خاص الطريق
أحياء متأثرة بالسيول والامطار بسوبا – خاص الطريق

 بكت الحاجة كلتوم يحي، ذات السبعون عاماً، بحُرقة وهي تصف لـ (الطريق) ما تعرضت له قائلة: “مشينا لناس اللجنة الشعبية، قالوا ما بدّوا مساعدات للناس الزُرق”!. وأضافت مسترسلة ومتسائلة: “طيب نحن جينا هنا ليه… ما جينا بسبب الحرب… ويعني هنا برضو ما دايرننا نسكن، طيب ما يشوفوا لينا حتة نقعد فوقها”.

حسين محمد آدم، 50 عاماً، أحد الذين عاشوا مأساة عصيبة، فقد توفيت زوجته ثريا آدم الدومة خلال فترة السيول والأمطار، أثناء عملية وضوعها لطفلها الذي لم يعش بدوره، تاركة له ستة أطفال، وفراغ كبير من الأسي. وتُعينه الآن الحاجة كلتوم في تربيتهم.

سلوى محمد حامد، 43 سنة، كانت هي السبب في وصول مساعدات لجنة الصليب الأحمر، والتي تمثلت في بعض الخيام، الفرش والبطاطين، تقول سلوي: “مشيت لي ناس الصليب الأحمر في أمدرمان وحكيت ليهم الحاصل.. في الأول قالوا لي ماف حتة في سوبا محتاجة مساعدات، لكن لما أكدت ليهم اني بتحمل المسؤلية جو معاي… وشافوا الحاصل بعيونهم”.

من جانبه، يؤكد نصرالدين آدم، 37 سنة ويعمل مكانيكياً بسوق سوبا، على ما ذهبت إليه الحاجة كلتوم، مضيفاً أنه وبعض شباب الحي قاموا بتكوين لجنة لمقابلة معتمد محلية شرق النيل لإيصال صوت الحي وطرح مأساته، الإ أن المعتمد خيب أملهم عندما أخبرهم بأن المسألة ليس تحت مسؤلياته وانما تحت اشراف محلية العيلفون، على الرغم من مواطني الحي يؤكدون أن حي القلعة يتبع  إدارياً لمنطقة سوبا شرق.

وأضاف آدم: “مشينا لناس اللجنة قالوا المساعدات ستوزع بالقرعة لناس الحلة فقط، فقاموا بتوزيعها بمعرفتهم لمعارفهم فقط ومنعونا… وحتى المواد الغذائية وزعت بتفرقة.. “كانوا بقولوا ديل ما تدوهم ، مع انو كل سكان المنطقة عملوا بيوتهم دي بالحيازة، لكن ناس اللجنة الشعبية ما دايرين يقتنعوا بوضعنا نحن، عشان حجزناها بأنفسنا وما اشتريناها عن طريقهم”.

وختم آدم حديثه بأنه يأمل فقط في الحصول على مواد بناء حتى وإن تمثلت في الطوب فقط، ليعيد بناء منزله، حتى يقي أسرته الصغيرة من برد الشتاء وحر الصيف.

إلا أن لسكرتير اللجنة الشعبية بالمنطقة، علي العوض حديثاً مغايراً، حيث يؤكد على أن عملية توزيع المساعدات الإنسانية تمت بصورة عادلة، مشيراً الى أن العملية شملت كافة المواطنين بغض النظر عن طريقة سكنهم سواء كانوا متملكين لمنازل، مؤجرين أو حتى من أصحاب السكن العشوائي.

وأضاف العوض: “أقمنا اسبوعاً صحياً بالتعاون مع منظمة كيترا، وكذلك قمنا بتوزيع المواد الغذائية والمساعدات العينية مع منظمة الهلال الأحمر…كما وقمنا بإجراء اتصالات مع المعتمد، على ضوئها جاءت المساعدات… وكل المواطنين تمتعوا بكافة الحقوق والخدمات، إلا أن بعض المواطنين، من غير سكان المنطقة قاموا بإستغلال الظروف وتحصلوا على خيام ثم قاموا ببيعها”.

وقال العوض أن أهالي الحي المعني ليس لديهم أوراق رسمية تفيد تملكهم لمنازل، الا أن ذلك لم يمنع وصول المساعدات اليهم معتبراً أن المسألة “إنسانية في الأساس حتى وإن كانوا مشردين” على حد قوله، مشيراً الى أن مسألة بقائهم في المنطقة من عدمها أمر يخص الشؤون الهندسية و مصلحة الأراضي.

وطالب العوض الجهات المختصة بتقديم مساعدات عينية لأهالي المنطقة تعينهم على اعادة بناء منازلهم، مشيراً الى عدم وصول أي مواد بناء بحجة أنها ذهبت فقط للمناطق المتضررة كلياً، مثل منطقتي مرابيع الشريف والكرياب، وأضاف “هذه المنطقة حتى وان كان تضررها جزئياً، إلا ان بها منازل قد تضررت وتهدمت كلياً”.

و للأطفال أيضاً رأي!

وفي طريق العودة وقبل أن نغادر الحي، الذي لطالما شعر أهله بالتهميش، قابلنا طفلين أصرا على أن نلتقط لهما صورة بعد رؤيتهما الكاميرا، هما آدم يحي والشهيد بشرى، وعندما سألنا الشهيد عن سبب التسمية وما إذا كان إسماً حقيقياً أو لقباً، أجابنا قائلاً: “والله ما عارف لكن ده الإسم الأنا بعرفوا!

ودندن لنا بأبيات ساخرة تقول:

ناس عماراتها في الصورة

وناس أطفالها مهجورة

وناس عنب وناس أنناس

وناس ما ناس

 

تحقيق: الطريق

الطريقتحقيقاتالأمطار والسيول في السودان ، سوبا ، الخرطومعلى الرغم من الحجم الكبير للمساعدات الإنسانية التي وصلت البلاد لصالح متضرري السيول والأمطار الأخيرة التى ضربت مناطق متفرقة بالسودان، لا يزال أهالي حي القلعة بمنطقة سوبا التابعة لمحلية شرق النيل يعيشون معاناتهم، يفترشون الأرض و يلتحفون السماء، بعد أن دمرت السيول منازلهم بالكامل، وبحسب أقوالهم فلا قُدمت لهم...صحيفة اخبارية سودانية