محفوظ بشري ،
محفوظ بشري ،

 مثّلت تداعيات اغتيال علي أبَّكر الطالب بجامعة الخرطوم (11 مارس 2014م) التدشين الفعلي في اعتقادي لحملة الناشطين والمثقفين من أبناء إقليم دارفور لـ(فرز العيشة) و(درفرة) قضية الإقليم المندلعة منذ أكثر من عقد من الزمان دون أن يجرؤ صوت قبل ذلك على التحدث جهراً عن احتمالات انفصال الإقليم أسوة بالجنوب، مثلما فعل الروائي المعروف عبد العزيز بركة ساكن في تصريحه قبل أحداث جامعة الخرطوم بيوم، بأنه لا يظن أن هناك من سيلوم أهل دارفور إذا طالبوا بالانفصال، بعد تجاهل “الشعوب السودانية” للمجازر والترحيل والتشريد الذي يتعرض له الدارفوريون من قبل الجنجويد وقوات الحكومة. وهو تصريح رغم ارتباطه بالأحداث الميدانية وقتها على أرض دارفور إلا أنه غير بعيد عن تداعيات مقتل علي أبَّكر وما تلا ذلك من تضييق وملاحقة للناشطين والطلاب المنتمين لدارفور.

ويتضح (فرز العيشة) و(درفرة) القضية في اللغة التي استخدمت لتعريف الطالب المقتول والناشطين المعتقلين والملاحقين من الطلاب، وهي لغة أغضبت بعض الناشطين ممن لا ينتمون إلى دارفور وينظرون لقضية الإقليم كجزء من قضية السودان ككل، إذ تم التركيز على عبارات مثل (طلاب دارفور) (طالب من دارفور) (محامي دارفور) في سياقات مثل (مظاهرات لطلاب دارفور) (مقتل طالب من دارفور) (اعتقال محامي دارفور)… الخ، وجاء اعتراض الكثير من الناشطين على الدرفرة الكاملة للأحداث التي – بنظر البعض- تخدم الحكومة بالإسهام في بناء حواجز حول القضايا وتجزئتها وهو ما يرون أنه يوافق السياسة الحكومية حتى في المفاوضات التي ترفض فيها الحكومة الحلول القومية لمشاكل السودان وتصر على مفاوضة كل جهة أو إقليم منفصلاً عن بقية القُطر، لاسيما أن السياقات التي وردت فيها النسبة إلى دارفور في تناول الأحداث أبعدت الصفات القومية للقضية تمامًا في كثير من الحالات بجعل (طلاب دارفور) بديلاً تاماً لـ(طلاب جامعة الخرطوم) بدل أن تشمل الصيغة مثلاً (أبناء دارفور بجامعة الخرطوم) أو (طلاب جامعة الخرطوم من إقليم دارفور) أو أي صيغة تحافظ على ما تبقى من لحمة تصل دارفور بالبعد القومي وتمنع فصلها معنوياً كمرحلة أولى قد تقود إلى ما ذكره بركة ساكن من احتمال التفكير الجاد في الانفصال. وهذه الاعتراضات – في تقديري – تلمس جانباً من المشكلة فقط، فرغم أنني أوافق هؤلاء في أن ثمة نبرة لـ(فرز العيشة) بدأت تظهر الآن بوضوح، إلا أنني أعتقد أن هذه النبرة كانت موجودة على مدى العقد الأخير، لكنها كانت فقط مستترة ولم تجد الفرصة للظهور.

 لقد بينت أحداث العقد المنصرم بكثير من الشواهد أن ضمير (المركز) بتمظهراته الرسمية والشعبية أكثر تجاوباً مع أحداث ومآس لا تختلف كثيراً عن مأساة دارفور، أكثر من تجاوبه مع قضية الإقليم، وهذا جانب تم النبش فيه كثيراً، لكن الجديد في تقديري الآن أن ثمة يأساً اعترى الدارفوريين من الحصول على تعاطف يوازي الحدث من المركز، أكثر من ذلك الذي تبديه أصوات قليلة وشرائح نخبوية إلى حد ما وفي كثير من الأحيان يكون حتى تعاطف هذه الشرائح (نظرياً) لا أكثر، وهذا أمر يهدم أي اعتقاد أو إيمان بأن دارفور كانت أو لا تزال جزءاً مساوياً من الوطن.

 ثمة ملاحظة استوقفتني كذلك وتصب في مسألة (فرز الكيمان) هذه وإن كان ذلك من زاوية أكثر خطورة، وهي ملاحظة أوردها يوم (8 مارس 2014) في صفحته في الفيسبوك السيد مبارك أردول، المتحدث باسم وفد الحركة الشعبية – ش في مفاوضات أديس أبابا الأخيرة والناطق الرسمي باسم الحركة في الشرق الأوسط، وهو ينتقد ضيق الأفق الذي أبداه أحد أعضاء حركة تحرير السودان جناح مناوي في تعليقه على صورة جمعت وفدي التفاوض بين الحركة الشعبية –ش، والحكومة السودانية، إذ يرى عضو حركة مناوي أن مشكلة السودان متمظهرة في تكوين وفدي التفاوض بأن “مكونات الوفدين من جغرافيا واحدة وعرق واحد، هامش، نوبة وفونج وانقسنا وفلاتة إلخ” وأن رئيسي الوفدين “من جغرافيا وعرق واحد، مركز، جعليين، شايقية دناقلة إلخ” على حد تعبيره؛ وهي مشكلة يرى حلها في أنه “لن يعالج أزمة الدولة السودانية ما لم تندمج المجموعتان المتقابلتان في الصورة في وفد واحد ويرأسه أحدهم.. ويأتي رئيسا الوفدين في وفد واحد للمركز ويرأسهما أحدهما بينما الآخر عضو في وفد الجلابة”.

 لا نحتاج إلى الكثير من التدقيق لنشتمّ رائحة خطاب (فرز العيشة) الذي يحمله تعليق عضو حركة مناوي، ولكن خطورة هذا التعليق التي أشرت إليها تكمن في أن يكون صاحبه معبراً عن رأي عام يحمله المقاتلون في الحركات المسلحة، وهو أمر إن صحّ فسيمثل –أولاً – هدماً للصورة الافتراضية التي يحملها الناشطون من غير المنتمين إلى إقليم دارفور للحركات المسلحة واتساع أفقها في النظر إلى قضايا السودان بشمول يقاوم التجزئة والتبعيض غير المجدي الذي تمارسه الحكومة، وثانياً، هذا مؤشر يحتاج إلى دراسة عن تحوّل (صورة العدو) في أذهان المقاتلين لتصبح أوسع وتشمل الكثير ممن يحملون مفاهيم لا علاقة لها بالعدو في صورته الذهنية السابقة، وهو تحوّل يقتفي ما تعتنقه الحكومة عن صورة (العدو) (الآخر) في دارفور وما أدى إليه هذا التحول من مآسٍ مرّة ودماء. إن الصورة المثالية التي يحملها الناشطون من غير أبناء دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان للصراع المسلح في الأقاليم الثلاثة، تحتاج إلى إعادة تكوين وفقاً للمعطيات الواقعية وليس الأمنيات النظرية إن صح التعبير، فهي الآن تمثل في رأيي تشويهاً مضرّاً بالقراءات التي تحاول استكناه القادم لتجنّب مفاجآت غير سارة صار احتمال حدوثها كبيراً مع تزايد العنف بين الحكومة ومعارضيها وفشل النخب في قراءة آثار ذلك التصاعد للعنف على ردود أفعال الأطراف ذات الصلة التي ستصنع – ردود الأفعال- مستقبلاً يعتريه الكثير من التوتر والكابوسية المتنبأ بها.

حسناً، تكاد هذه الجغرافيا المسماة –حتى الآن- السودان تقترب من ذروة مأزق تاريخي غير مسبوق، بسيناريوهات قاتمة. ففي حال استمرّ الفشل في استقراء اتجاه الحركة التاريخية وتفادي فخاخ التشظي الماثلة؛ فلا أظن أن هناك ما يمكن فعله في قادم الأيام غير انتظار الكارثة.

محفوظ بشري

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتدارفور مثّلت تداعيات اغتيال علي أبَّكر الطالب بجامعة الخرطوم (11 مارس 2014م) التدشين الفعلي في اعتقادي لحملة الناشطين والمثقفين من أبناء إقليم دارفور لـ(فرز العيشة) و(درفرة) قضية الإقليم المندلعة منذ أكثر من عقد من الزمان دون أن يجرؤ صوت قبل ذلك على التحدث جهراً عن احتمالات انفصال الإقليم أسوة بالجنوب،...صحيفة اخبارية سودانية