يوم ان انفصل جنوب السودان قلت ان دولة جنوب السودان الوليدة هي(هبة البترول) تماما مثل ما يقال عن مصر انها هبة النيل ولولا النيل لكانت الحياة في ارضها شبه مستحيلة ولولا عائدات البترول لما كان بالامكان اقامة دولة قابلة للبقاء تحت ظروف الواقع الحالي ذلك لأن الجنوب سيحتاج الى عقود من الزمن ليطور امكاناته الذاتية ويدمج اقتصاده في السوق العالمي بعد ان يحقق استغلالا اقتصاديا لموارده الطبيعية المتعددة.

والآن فإن دولة الجنوب تواجه هذه المشكلة وبشكل حاد بعد الانهيار الكامل في اسعار البترول عالميا وما عاد في امكان الجنوب ان يواصل ضخ البترول ليدفع تسعين في المائة من العائدات كرسم لعبور نفطه عبر انانبيب دولة الشمال الى ميناء التصدير في بورتسودان وليس امامه في الوقت الحالي اي منفذ الى البحر غير بورتسودان ولم تتحقق مشاريعه في مد خط الى الموانئ الكينية وجاءت الحرب الاهلية فزادت الموقف الاقتادي سوءا واضطر الجنوب ان يستدين حتى ترتبت على ذلك مديونيات كبيرة ليس هو في حالة تسمح له بسدادها- ومورد الديون بدأ ينضب اذ ما من دولة تستطيع ان تواصل سداد فواتير دولة اخرى الى ما لا نهاية دون امل في السداد- وهذا هو ما دفع سلفاكير لان يقبل مشروع(الايقاد) للحل السياسي لازمة الجنوب رغم انه غير مقتنع به بل وهو قد أعلن للملأ عدم قناعته ولذلك فهو ما يزال يضع العراقيل في طريق انفاذ ذلك المشروع ويحرص على ان يظهر قدر من التقدم النسبي في التنفيذ- مثل قبوله باتفاق لتوسيع البرلمان باستيعاب اعضاء جدد من المعارضة او قبوله تخصيص وزارات بعينها للمعارضين وفي نفس الوقت يحرص على وضع العصى في العجل بقراره تقسيم الجنوب الى ثمانية وعشرين ولاية وينفرد بتعيين حكامها وهو يعرف سلفا ان المعارضة سترفض ذلك تماما !

مهما يكن من امر فإن الوضع الاقتصادي المتدهور هو ما حدا بدولة الجنوب للسعي على اقناع حكومة السودان باعادة التفاوض حول الاتفاقية النفطية بحيث تتحلل- ولو مؤقتا- من الالتزام بسداد خمسة وعشرين دولار مقابل كل برميل نفط يعبر خط البترول السوداني لان سداد ذلك المبلغ يعني ان يحرم الجنوب تماما من عائدات النفط في ظل سعر النفط السائد اليوم.

الجنوب لم يتحسب لمثل هذا الانهيار في اسعار النفط ولذا لم يحرص على تضمين اتفاقية عبور النفط مع حكومة السودان على وجود بند ينص على اعادة التفاوض اذا انخفض سعر النفط بدرجة كبيرة وهذا عيب تفاوضي اذ خلت الاتفاقية تماما من اي نص يربط بين المبالغ المقررة لعبور النفط والاسعار السارية- وهذا  هو ما حدا بوزير النفط الجنوبي ان يعلن ان دولة الجنوب لو تعذر عليها الحصول على موافقة السودان على تخفيض مبلغ الخمسة وعشرين دولار للبرميل فإنها ستجد نفسها مضطرة لوقف ضخ النفط واغلاق اباره والاحتفاظ برصيدها النفطي تحت الارض اذ لا جدوى من انتاج لايدر عليها دخلا بل يبدد مواردها النفطية في امر لا طائل وراءه!!

ليس من مصلحة السودان ان تنهار دولة الجنوب واي انهيار يصيبها سيدفع السودان جزءا من ثمنه وهو لا يستطيع ان يوقف تيار اللاجئين من الجنوب لاراضيه كما ان انتعاش اقتصاد الجنوب من مصلحة التبادل التجاري بين دولتي الشمال والجنوب- ولذلك للسودان مصلحة في ان يستمر تدفق النفط الجنوبي عبر اراضيه ولابد في نهاية المطاف ان يعمل السودان على مساعدة الدولة الوليدة على تجاوز ازمتها.

الحل ان يقبل السودان تجميد(المنحة) الجنوبية كليا وجزئيا ووقف سداد اقساها المفروضة على كل برمل نفط على ان يستأنف السداد حين تنصلح احوال الجنوب الاقتصادية والمبلغ المقرر حاليا على برميل النفط مكون من جزائين: عشرة دولار لعبور النفط- وخمسة عشر دولار عن البرميل كمنحة لتعويض السودان عن فقد موارد بترول الدولة الموحدة قبل الانفصال وسداد المنحة يستمر لفترة محددة ريثما يتم السداد الكامل- وربما كان الحل الامثل ان يجمد السودان اقساط المنحة كليا أو جزئيا لفترة انخفاض اسعار النفط على ان يعاود الجنوب السداد بعد تحسن اوضاعه الاقتصادية حتى لا يضطر ان يتخلى عن مورد دخله الوحيد المتمثل في النفط- هل اذن فترة سماح الى حين ميسرة وليس ذلك بالمطلب العسير لان البديل لقبوله هو توقف السداد للسودان تماما بسبب توقف ضخ النفط وهو امر يضر بالسودان وبالمستثمرين الصينيين وغيرهم!!

محجوب محمد صالح

دولة جنوب السودان وأزمة انهيار اسعار النفطhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-196x300.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءجنوب السودانيوم ان انفصل جنوب السودان قلت ان دولة جنوب السودان الوليدة هي(هبة البترول) تماما مثل ما يقال عن مصر انها هبة النيل ولولا النيل لكانت الحياة في ارضها شبه مستحيلة ولولا عائدات البترول لما كان بالامكان اقامة دولة قابلة للبقاء تحت ظروف الواقع الحالي ذلك لأن الجنوب سيحتاج الى...صحيفة اخبارية سودانية