اندفعت الولايات المتحدة دون اي قدر من التروي نحو فصل الجنوب من السودان وتأسيس دولته الخاصة وعملت كل ما في وسعها لتحقق ذلك الهدف واقنعت دولا اخرى بذلك واحتفت بمولد الدولة الجديدة واعربت عن التزامها بدعمها ومساندتها وخلق انموذج للدولة الحديثة على أرضها- ولكن بعد ان نشأت تلك الدولة بدأت تظهر كل الازمات التي لم تتحسب لها الولايات المتحدة ولا الدول الغربية التي ساندتها واخذ المجتمع الاقليمي والدولي يعبر عن خيبة أمله حول ما يدور في جنوب السودان.

والآن وبعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة في أديس ابابا وانهيار المحادثات التي كانت تراهن الايقاد على نجاحها ومارست ضغوطا غير مسبوقة على طرفي الصراع للوصول الى تسوية سلمية دون ان تحقق اي نجاحا يذكر- عاد الجميع، الاتحاد الافريقي والايقاد، والأمم المتحدة والدول الكبرى الى المربع الأول وهم يرون مشروع السلام يترنج والحرب تتواصل.

ورغم التوقيع على ثماني اتفاقات لوقف اطلاق النار فما زال القتال مستمرا وفي الاسابيع القليلة الماضية احتلت قوات ريك مشار منطقة ودكونا في اعالي النيل وطردت منها قوات الحكومة ابان جولة المفاوضات وبالأمس أعلنت حكومة الجنوب ان جيشها قد استرد تلك المدينة لكن قوات ريك مشار أعلنت انها انسحبت منها انسحابا(تكتيكيا) وانها سترجع لها لاحقا.

الايقاد الآن وجدت نفسها في وقت صعب وهي تريد ان تستعين برؤساء الدول الافريقية وهي تعلم ان قدرتهم على فرض حل على الفرقاء في الجنوب جد محدودة، كما انها تطلب من المجتمع الدولي ممارسة المزيد من الضغوط على الفرقاء ولكن ذلك- ايضا- لا يبدو أنه سيكون فعالا فقد صدرت التصريحات الغاضبة من الأمين العام للامم المتحدة بان كي مون ومن الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي لكن نداءاتهم لم تجد استجابة من اي من الطرفين ومازال الخلاف بينهما على اشده.

في الخرطوم سعى وزراء دول الترويكا- الولايات المتحدة وبريطانيا النرويج- الى لقاء مع وزارة الخارجية السودانية فاجتمعوا مع مدير ادارة العلاقات الخارجية في الوزارة للتفاكر حول مآلات الوضع في الجنوب بعد انقضاء الاجل الذي حددته الايقاد لوصول الطرفين لاتفاق سلام(الخامس من مارس) دون ان يحدث تقدم بل ان المحادثات انهارت وسط خلاف حاد حول قضيتين هامتين: مشروع اقتسام السلطة الذي يمنح منصب النائب الاول رئيس الجمهورية لريك مشار الأمر الذي يرفضه رفضا تاما سلفاكير اضافة للخلاف حول ملف الترتيبات الامنية حيث تصر المعارضة المسلحة على الاحتفاظ بجيشها طوال الفترة الانتقالية وهو أمر غير مقبول للحكومة الجنوبية ولجيش الحركة الشعبية.

هذا الموقف يعيد للاذهان ما حدث في اتفاقية(نيفاشا) حيث اصرت الحركة الشعبية على الاحتفاظ بجيشها خلال المرحلة الانتقالية ورفضت الحكومة السودانية الفكرة لكنها تعرضت لضغوط امريكية واوروبية الى ان قبلت الفكرة ورسخت هذه السابقة التي تعود الآن لتلقي بظلالها على أحداث الجنوب- دول الترويكا هي التي فرضت على حكومة السودان قبول الجيشين في اتفاقية نيفاشا فهل هي قادرة على ممارسة نفس الضغط على سلفاكير؟ وهل تستطيع ان تضمن اعادة دمج وتسريح قوات ريك مشار في نهاية الفترة الانتقالية؟- بل هل يملك ريك مشار السلطة لكي يفرض التسريح واعادة الدمج على المليشيات العديدة التي تشكل جيشه الحالي؟

أن الموقف في الجنوب اصبح الآن اكثر تعقيدا واحتمالات الحل السلمي باتت بعيدة.. بل واحتمالات التشظي اصبحت اكثر احتمالا!

محجوب محمد صالح

الجنوب: الماضي يتحكم في الحاضر !https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقأصوات وأصداءجنوب السوداناندفعت الولايات المتحدة دون اي قدر من التروي نحو فصل الجنوب من السودان وتأسيس دولته الخاصة وعملت كل ما في وسعها لتحقق ذلك الهدف واقنعت دولا اخرى بذلك واحتفت بمولد الدولة الجديدة واعربت عن التزامها بدعمها ومساندتها وخلق انموذج للدولة الحديثة على أرضها- ولكن بعد ان نشأت تلك الدولة...صحيفة اخبارية سودانية