لم يكن مستغربا ان تنعقد وتنهار محادثات السلام بين اطراف الحرب الأهلية في جنوب السودان فقد كانت مقدمات الفشل واضحة قبل ان تبدأ الجولة الأخيرة من المحادثات ولم تنجح الضغوط الاقليمية والدولية العظيمة التي بذلت من الوسطاء في تجسير الهوة المتسعة بين الفريقين بل ولم تنجح تلك الجهود في تليين المواقف تجاه هذا الصراع المركب الذي له خلفية تاريخية وابعاد قبلية.

وقد كان موقف الاتحاد الافريقي تجاه الصراع مرتكبا منذ البداية ومجموعة الايقاد التي عهد اليها بالوساطة تتكون من دول لها مصالح متعارضة ومتناقضة في جنوب السودان بل ان احدى تلك المكلفة بالوساطة اصبح لها وجود فاعل في ساحة القتال في الجنوب ورفضت رفضا تاما ان تسحب قواتها العسكرية من ارض الجنوب رغم مطالبة مجموعة الايقاد لها بذلك الانسحاب.

اما الاتحاد الافريقي نفسه فهو اضعف من ان يستطيع ان يفرض قرارا على اي من دوله ولذلك يحاول معالجة الأمور دن ان يتعمق في البحث عن جذور الأزمات باستراتيجية تتبناها كل الدول الاعضاء تجاه أي ازمة تنشأ- ولذلك رأينا بعض دول الايقاد تتقدم بمشروعها لحل أزمة الجنوب عبر مرحلة انتقالية وحكومة وحدة وطنية وفي نفس الوقت ينافس هذا المشروع في الساحة مشروع تتبناه دول افريقية وينطلق من داخل دولة تنزانيا- مدينة اروشا تحديدا- وهي مبادرة تسعى لحل الأزمة عبر اعادة توحيد الحركة الشعبية ومعالجة الخلافات بين قادتها مما يعني وضع الجنوب بكل مكوناتها تحت سيطرة هذا الحزب الواحد الذي ينطوي على تناقضات داخلية يصعب التوفيق بينها.

مسار الايقاد من ناحية ومسار مبادرة اروشا من الناحية الأخرى أربكا المشهد السياسي في الجنوب وخلق ظروف افضل للحراك في المساحة الخالية بين المبادرتين- ولكن التعقيد الأهم والأكثر تأثيرا جاء من لجنة التحقيق الذي شكلها الاتحاد الافريقي برئاسة رئيس جمهورية نيجيريا السابق- اوبسانجو- وعهد اليها بتحديد المسئولية عن انفجار الأوضاع في الجنوب ونشوب الحرب الأهلية ورصد الانتهاكات الواسعة التي حدثت والكشف عن مرتكبي تلك الانتهاكات وبذلك ارسل الاتحاد الافريقي للجميع رسالة أنه يملك من القوة ما يسمح له بمعاقبة المخطئين- ولم يكن ذلك الادعاء حقيقيا بل هو ان يتناقض مع مسلك الاتحاد الافريقي الذي يتوقع من الايقاد حل المسألة(بالجودية) ولا يريد ان يغضب اي طرف ولذلك عندما تسلم الاتحاد الافريقي تقرير لجنة التحقيق افزعه الأمر ولم يستطع أن يعلن محتوى التقرير لأنه سيغضب كل الفرقاء في حرب الجنوب ويفشل (جودية) الايقاد ولذلك رفض الافصاح عنه واغلقه داخل خزائنه.

وبالأمس نجحت جهود وكالة انباء رويترز في تسريب اجزاء خطيرة من توصيات لجنة التحقيق فاذا به بالتقرير يقترح مباشرة وضع جنوب السودان تحت الوصاية الدولية والاقليمية بعد ان يحمل كل اطراف الصراع مسئولية الحرب الأهلية ويحكم عليهم بانهم غير مؤهلين لحكم الجنوب وينبغي ابعادهم جميعا من اي ترتيبات لتشكيل حكومة انتقالية في الجنوب واستبدالهم بقادة جدد.

يأتي هذا الكشف عن ابعاد التقرير في وقت كان الاتحاد الافريقي يواصل ضغطه على نفس الفرقاء الذي اقترح التقرير ابعادهم تماما عن السلطة في المرحلة القادمة- يفاوضهم الاتحاد الافريقي ويضغطوا عليهم ليتفقوا على اقتسام السلطة فيما بينهم ليعودوا ويحكموا الجنوب متوحدين!!؟؟ فهل ثمة درجة من الارتباك اكبر من ذلك؟

الآن وبعد ان انهارت جولة المفاوضات وانتهى الموعد الذي حددته الايقاد لتوقيع الاتفاق الجديد(الخامس من مارس) اعلنت الايقاد انها ستحيل الأمر بكامله لرؤساء الدول الافريقية- فماذا ستحيل لهم؟

هل تحيل لهم فقط تقرير فشل المفاوضات ام ستملكهم توصيات ومقترحات لجنة اوبسانجو أم مبادرة اروشا؟؟ وهل يملك الاتحاد الافريقي من القوة ما يجعله يفرض قراراته على الدول الأعضاء؟؟ أغلب الظن ان القضية ستتجمد في اروقة مجلس الأمن الى ان يتمكن أهل الجنوب من حلها!

محجوب محمد صالح

أزمة الجنوب ستتجمد في اضابير مجلس الأمنhttps://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقأصوات وأصداءجنوب السودان  لم يكن مستغربا ان تنعقد وتنهار محادثات السلام بين اطراف الحرب الأهلية في جنوب السودان فقد كانت مقدمات الفشل واضحة قبل ان تبدأ الجولة الأخيرة من المحادثات ولم تنجح الضغوط الاقليمية والدولية العظيمة التي بذلت من الوسطاء في تجسير الهوة المتسعة بين الفريقين بل ولم تنجح تلك الجهود في...صحيفة اخبارية سودانية