أتيم سايمون ،  برغم هذه الحرب التي قضت علي كل شئ تقريبا ، وأهدرت معها الصلات الانسانية و الوشائج القومية بين الجنوبيين أنفسهم ، الا أن الجهد المبزول لوقف معاناة شعب جنوب السودان ، لاتزال تعترضه عقبات سياسة داخلية كبيرة و عصيبة ، إذ ان الانقسام الحاد الذي حدث داخل (الحزب – الجيش – المجتمع) يتطلب في المقام الاول والاخير ان يمتلك الحزب زمام المبادرة ، وأن يضع قضية السلام في قائمة أولوياته ، ومن ثم استعادة ثقة المواطن الجنوبي في حكومته ودولته التي تركها هاربا من أتون الحرب بين (الاخوة الاعداء) ، فمبادرة دول الاقليم التي يرعاها منبر ايقاد ، والمسنودة بدعم ورعاية دولية كبيرة ، وان نجحت في احداث اختراقات حقيقية في المستقبل ، والزام الطرفين علي توقيع اتفاق سلام متراضي عليه ، لكنهما سيكونان قد نجحا بشكل منقطع النظير في تضمين المصالح الدولية والاقليمية في الشأن السياسي الداخلي لجنوب السودان ، فتحفظات المجتمع الدولي كانت بادية للعيان منذ البداية فيما يتعلق بقضايا الشفافية والحكم في الدولة الوليدة ، فالازمة قد اعادت تعريف علاقة جنوب السودان بالمجتمع الدولي ، الذي تراجعت درجة تعاطفه مع الدولة الجديدة ، التي تفتقر للسياسة الخارجية واضحة السمات و الملامح والتوجهات .

طغيان المصالح السياسية الفردية داخل كابينة القيادة بحكومة جنوب السودان ، ستعطل امكانية انجاز اي تسوية سياسية تخاطب قضية السلام ، نسبة لخشية بعض اصحاب النفوس ممن تبقوا داخل الحزب الحاكم ، والذين اصبحوا يتمركزون بقوة داخل الحكومة ويمسكون بمفاصلها بعد ان كانوا يرون في أعضاء المكتب السياسي الذين أفرج عن البعض منهم (مجموعة السبعة) ، ولازال اربعة منهم يواجهون المحكمة (باقان أموم،مجاك أقوت ،أوياي أجاك،ازيكيال جاتكوث) ، الصخور التي تحطمت عليها آمالهم في الترقي السياسي داخل الحزب و الحكومة ، وقد استطاعت تلك المجموعة إعادة تطبيع علاقاتها وتشبيكها مع بعض الوافدين الي الحزب الحكومي و المجموعات المستوعبة داخل الجيش الحكومي ، وبعض القادة المناوئين من الاحزاب الاخري مثل الحركة الشعبية للتغيير الديمقراطي الذي يتزعمه الدكتور لام أكول أجاوين المتواجد ضمن الوفد الحكومي المفاوض في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا حالياً، وفي القريب العاجل ستتقلد هذه المجموعات حقائبا وزارية جديدة في الحكومة التي يتوقع الاعلان عنها في الايام القليلة القادمة ، الحكومة القومية التي ستقطع الطريق أمام المطالبات الدولية والاقليمية بتكوين حكومة انتقالية تتهم السلطات الحكومية ريك مشار ومجموعة السبعة المفرج عنهم بالوقوف من ورائها.

في ظل هذه الظروف و المعطيات يبدو جليا ان مستقبل التسوية السياسية للنزاع السياسي المتشعب بجنوب السودان سيكون غامضا قي ظل انعدام الارادة السياسية لطرفين الحكومة والمتمردين ، وخير دليل علي ذلك هو استمرار القتال بين الطرفين رغم أنف إتفاق وقف العدائيات الموقع قبل شهرين في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا ، لكن هناك بصيص ضوء في آخر نفق المباحثات يحمله الضغط الدولي المكثف و التلويح بالعقوبات ضد أي طرف يثبت تورطه في تعويق العملية السلمية أو السعي لتعطيلها ،فالسؤال الذي يجب ان تطرحه أطراف الازمة في جنوب السودان علي نفسها هو الي متي ستستمر معاناة شعب جنوب السودان ، والي متي سيستمران في القاء اللوم علي انفسهما فيما يتعلق بالفظائع والانتهاكات التي مورست ضد المدنيين العزل ، بشهادة مفوضية حقوق الانسان الحكومية ، والمنظمات الدولية الناشطة في مجال حقوق الانسان ، وهي جرائم لم يشهدها جنوب السودان خلال حقبة الحرب الجهادية التي شنتها عليه حكومة الجبهة الاسلامية في الخرطوم في تسعينيات القرن المنصرم.

فالواضح للعيان أن هنالك ازمة سياسية شاملة ، اتخذت ابعاد عسكرية ميدانية ، تحتاج الي تعريف شامل ومخاطبة جذورها الاساسية ، تلك الازمة مستقرة باسبابها داخل الحزب الحاكم في جنوب السودان ، انعكست تداعياتها علي علاقة الحكم ، مثملما انها ستلقي بنتائج كارثية علي مستقبل القطر ، ازمة تتطلب مسار يراعي مصالح شعب جنوب السودان ، ويحفظ استقراره ، ويساهم في الامن و السلم الاقليمي ، الذي هو النقطة التي تأسست عليها مخاوف دول الاقليم ، فاذا مانظرت لمقررات قمة الدول الافريقية التي انعقدت بالعاصمة الكينية نيروبي في فبراير الماضي ، والتي شارك فيها بالحضور وزير خارجية جنوب السودان الدكتور برنابا مريال بنجامين ، حيث قالت القمة بالحرف الواحد : (الصراع الدائر في جنوب السودان ، ستكون له تاثيرات سالبة علي الاستقرار الاقليمي )، وهنا تتقاطع مصالح الدول المحيطة بجنوب السودان، والتي ستحاول ان تعضد من وجودها بشتي السبل في الازمة الراهنة بجنوب السودان ، وقد بدأن الحكومة فعليا في اعادة تشكيل ومراجعة علاقاتها الدولية والاقليمية علي ضوء الازمة بعد ان إكتشفت ان (مجموعة السبعة) ، و المتمردين بقيادة مشار ، أصبحوا يتقاسمون معها محيط العلاقات الدولية .

تحليل سياسي:  أتيم سايمون

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتجنوب السودان برغم هذه الحرب التي قضت علي كل شئ تقريبا ، وأهدرت معها الصلات الانسانية و الوشائج القومية بين الجنوبيين أنفسهم ، الا أن الجهد المبزول لوقف معاناة شعب جنوب السودان ، لاتزال تعترضه عقبات سياسة داخلية كبيرة و عصيبة ، إذ ان الانقسام الحاد الذي حدث داخل (الحزب –...صحيفة اخبارية سودانية