ألقت انتخابات أبريل الماضي بـ”أوزار” جسيمة على الواقع السياسي الوطني، وعلى الفائزين فيها، وعلى مقاطعيها، وعلى خاسريها والمتفرجين عليها، بدون استثناء، فكل له جريرته وثمنه الذي عليه دفعه، وربما حافزه “الشخصي” الذي عليه صرفه.

ففي الثاني من الشهر المقبل يؤدي الرئيس البشير اليمين الدستورية، ليكون بذلك أحد أقدم حكام الإقليم، فيما يعد حزبه “المؤتمر الوطني” العدة لأضخم تتويج في تاريخ دورات حكمه، والناس – عامة الناس – ينتظرون خطاب التنصيب بما هو أكثر من الصبر، علّه يحمل لهم بعض أشواق قديمة مجهضة.

يتهيأ الفائزون – البشير وحزبه- لدورة رئاسية جديدة تكمل سنين حكمهم 31 عاماً، في ظل تحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية هيكلية لن تفيدها المسكنات هذه المرة، أما أحزاب المعارضة التي قاطعت الإنتخابات ورفضت الإعتراف بنتيجتها مسبقاً ودعت الشعب لمقاطعتها، تعيش هي الأخرى أزماتها “الوجودية”، فلا هي مؤهلة فعلاً لإسقاط نظام الحكم، ولا هي مؤهلة للوصول لمساومة “تاريخية” معه.

ومن شاركوا في الإنتخابات من أحزاب وشخصيات وخسروا نتائجها فليس أمامهم سوى انتظار “عطايا” الحزب الحاكم وهباته، جزاء لمشاركتهم في انتخابات شهدت “عزوفاً” شعبياً كبيراً، بعد أن لعبوا “دور المحلل” بجدارة لا يحسدون عليها، ما يوجب على المؤتمر الوطني الحاكم إثابتهم.

أما الشعب فهو “الخاسر الأكبر” فحياته تضيق وتضيق، بلا ضوء يمكن أن ينظره في نفق المستقبل القريب، فالذين حكموه لأكثر من ربع قرن مازالوا يستخدمون الدواء القديم الذي يقدمه الطبيب نفسه لداء مزمن سكن جسد الوطن لأكثر من ربع قرن، وعبر عن هذا بجلاء بـ”العزوف الكبير”عن الذهاب لمراكز الإقتراع، ما جعل المعارضون يعدونه استفتاءً صامتاً ضد حكم البشير.

ويلخص قول القيادي والوزير السابق بالحزب الحاكم، أمين حسن عمر، إجابة على سؤال الصحفي عزمي عبدالرازق الذي نشرته “اليوم التالي” الأسبوع الماضي، الأزمة الهيكلية التي تترقبها – بل وتعيشها البلاد –بأنه “محبط” بعد أن عمل طويلاً من أجل التغيير لإعتقاده بحتميته، في الوقت الذي تعوقه– التغيير -بطء حركة المجتمع، وقوله أنه “زعلان” لأن نسقه يسير دون طموحه.

وما أبداه أمين في الحوار من عدم رضاه بما أسماه طريقة التسويات والجهويات والقبليات التي تعطل الإصلاح، واستمرارها بقوله: “للأسف هذا موجود والدلائل تشير له والتصريحات تؤكده”، موضحاً أن التغيير يستلزم مبادرات جريئة ومتتابعة وكثيفة.

وما رآه أمين بأن هناك “فرصة تاريخية” أمام الرئيس ليقوم بمبادرات “قوية وجريئة وسريعة” باتجاه الإصلاح، وقوله: “إذا لم يفعل ذلك فتكون هناك فرص مهمة ضاعت على السودان وعلى قيادته هو شخصياً”.

ويقول محللون، أن إجراء الإنتخابات في حد ذاته كان تعبيراً عن أزمة داخل الحزب الحاكم، بدأت أول مرة  بتراجع البشير عن موقفه الذي أعلنه سابقاً بعدم رغبته في الترشح للرئاسة مجدداً، ما فتح شهية قيادات حزبية طامعة في وراثته، وحين أعلن أنه سيترشح مجدداً، احتج البعض وأبرزهم القيادي الإسلامي المعروف غازي صلاح الدين العتباني الذي كان يترأس كتلة نواب الحزب الحاكم، فوجد نفسه خارج الطاقم الحزبي مبعداً.

ويوضحون أن “معركة” الإنتخابات داخل الحزب الحاكم، كانت معركة “كسر عظم”، استعد لها الرئيس البشير باكراً بقرارات ديسمبر 2013 التي أبعد خلالها عدد من كبار قادة الحزب من الإسلاميين الذين اختاروا الولاء له ضد حسن الترابي في انقسام 1999، وأبرزهم “علي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع، وعوض الجاز”، فخلا له المجال للسيطرة على الحزب دون منافسة تذكر وبطاقم موالٍ له كلياً.

وفي يناير الماضي أجرى البرلمان السوداني تعديلات دستورية أتاحت للبشير دورة رئاسية جديدة، وأعطته سلطة تعيين حكام الولايات بعد أن كانوا يأتون عبر الإنتخاب، ووسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، وهو الأمر الذي عده مراقبون “انقلاباً على الحزب”، ونقل مركز السلطة من النادي الكاثوليكي إلى القصر الرئاسي.

وجرت الإنتخابات في هذه الأجواء العاصفة ما جعل مراقبون يرون أن الرئيس البشير قاد حملاته الإنتخابية من القصر الرئاسي، وليس من مقر حزب المؤتمر الوطني الرئيس بـ”النادي الكاثوليكي”، وفي هذا وحده إشاره كافية تحدد شكل وحجم “الثقة المتبادلة” بين القصر والنادي الكاثوليكي.

وتلاحظ أثناء الحملات الإنتخابية ضعف الحملة الحزبية مقارنة بالحملة الرئاسية، وانعكس هذا بشكل واضح على النتائج، فالبشير بمفرده حاز على أكثر من 5.2 مليون صوت، فيما حصل حزبه المؤتمر الوطني على 3.9 مليون صوت، ما يجعل من مزحة المعارضة حول ما تسميه المباراة بين الحزب ورئيسه قابلة للتصديق ناهيك عن إثارة القهقهة وحدها، وتقول: “إن الرئيس يزعم أنه هو الذي يوفر القبول للشعبي للحزب، فيما يزعم الحزب بأن الرئيس دون تأييده لا يستطيع الحكم”.

وأثارت نتائج الإنتخابات والإقبال الضعيف عليها لغطاً كثيفاً داخل الحزب الحاكم، مُعلَن أحياناً ومخفي أحياناً أخرى، فالأمين السياسي للحزب مصطفى عثمان إسماعيل حمل مسؤولية ضعف الإقبال لـ”مفوضية الإنتخابات”، وقال إنها لم تنقح السجل الإنتخابي من مواطني دولة جنوب السودان بعد انفصالها، فردت المفوضية بأن تنقيح السجل مسؤولية الأحزاب المتنافسة، وأنها سلمته لها قبل فترة كافية ولم يحتج عليه أحد.

أما مساعد الرئيس ونائبه في الحزب إبراهيم غندور والذي تولى قيادة حملة الإنتخابات فقد أجاب على سؤال لماذا لم يصوت عضوية الحزب والتي أعلن هو نفسه أنها تفوق 6 مليون، بأن بعضهم دون السن القانونية التي تؤهلهم للإشتراك في الإنتخابات، وهو قول يناقض نصوص القانون السوداني التي تحدد سن التكليف بالثامنة عشرة، بما يعني أن حزبه يضم “أطفالاً”.

ودار همس في كواليس الحزب، عن جدل بين قيادات حزبية تحمل ما تسميه “الإخفاق الإنتخابي” للطاقم الذي قاد الحملة برئاسة غندور، وهو الرجل الذي اصطفاه الرئيس البشير بديلاً لدهاقنة الإسلاميين الذين أذهبوا في قرارات ديسمبر 2013، بمقابل مجموعات أخرى تكيد له لتحل محله.

فيما بدت المعارضة السياسية فرحة بالعزوف الكبير عن الإقتراع – قالت مفوضية الإنتخابات أن نسبة من شاركوا في الإقتراع بلغت 46.4% من جملة الناخبين المسجلين البالغة 13.1 مليون تقريباً، فيما قال مراقبو الإتحاد الإفريقي أن النسبة تتراوح بين 30-35%، وتقول المعارضة أن نسبة المشاركة الفعلية لا تزيد عن 15% كثيراً – واعتبرته استفتاءً برفض استمرار حكم الرئيس البشير، ونجاحاً لحملتها التي أطلقت عليها اسم “أرحل” لمقاطعة الإنتخابات، على الرغم من أن محللين كثر أرجعوا العزوف إلى أسباب خارج الطرفين حكماً ومعارضة، تتمثل في عزوف يائس لما يحدث في البلاد بشكل كلي.

وهكذا أفرزت الممارسة السياسية برمتها، ومرحلة ما بعد الإنتخابات خصوصاً، تحديات كبيرة وكثيرة تقع على الحزب الحاكم كحزب، وعلى مستوى أدائه السياسي في قيادة الدولة، وتفاقمت الأزمات وأحاطت بالبلاد سواراً بمعصم بما يهدد وجودها نفسه بخطر التشظي، فهل يا ترى تملك قيادة الرئيس البشير وحزبه الإرادة السياسية والرغبة اللازمة لإصلاح الأحوال ومواجهة التحديات، أم أن حكومته القادمة وخطابه المزمع في الثاني من الشهر القادم والذي ينتظره الناس هنا بصمت مترقب، سيكون بيعاً للدواء القديم في القوارير ذاتها..؟

يقول رئيس حزب البعث السوداني، محمد علي جادين، إن نتائج الإنتخابات ومقاطعتها بنسبة 60 -70%، وفوز الرئيس بنسبة 38%، تعكس موقفاً شعبياً رافضاً للسياسات الجارية، وتوصل رسالة بأن الشعب يريد التغيير، ما يجعل من قراءة متعمقة لنتائج هذه الإنتخابات تفرض على الرئاسة الإقرار بأن صفحة حكمها السابقة التي استمرت 26 عاماً انطوت، وأن الناس يرغبون في أن يسمعوا أثناء خطاب التنصيب عن تغييرات كبيرة في النخبة والمؤسسات السياسية والتنفيذية والإقتصادية والإجتماعية.

ولتحقيق الرغبة الشعبية العارمة التي تجسدت في المقاطعة، فإن جادين يرى ضرورة أن يتضمن خطاب التنصيب قرارات بوقف الحرب الأهلية، وإجراء حوار وطني يستهدف التحول إلى نظام تعددي ديموقراطي حقيقي يستند إلى ضمانات إقليمية ودولية، وإلاّ فإن البلاد ستدخل في نفق مظلم من الصراعات السياسية والعسكرية ستكون نتيجتها تفتتها.

ويوضح جادين، أن الرئيس البشير يملك الصلاحيات الدستورية والسياسية التي تمكنه من اتخاذ هذه القرارات الصعبة، لكنه لا يستطيع تحديد ما إن كان بمقدوره توفير الإرادة السياسية اللازمة لإتخاذ مثل هذه القرارات الصعبة، بيد أنه يقول أن الضغوط الخارجية التي يقوم بها الإتحاد الإفريقي والإتحاد الأوروبي ومجموعة دول الترويكا تسير بهذا الإتجاه، أما الضغوط الداخلية الممثلة في تآكل القاعدة الإجتماعية للنخبة الحاكمة بسبب بلوغها مراحل نهايتها، فإنها ستلعب كلها دوراً مسانداً للرئيس ليتخذ القرارات الصعبة، ويضيف: “هذه الضغوط يمكن أن تساعده على اتخاذ الخطوات المطلوبة، وهناك ظروف مواتية ورسائل قوية للتغيير السلمي التي تحول دون حدوث سيناريوهات مدمرة”.

وبدا جادين حذراً مما أسماه موازين القوى داخل الحزب الحاكم، بقوله: “غالبية الحزب ضد أي تسوية سياسية وتغييرات راديكالية في التركيبة والتوجهات، وبدا هذا واضحاً في تعثر الحوار الذي دعا له الرئيس وعرقله هؤلاء الناس، لكن التوازن داخل الحزب ليس كل شئ، فهناك التوازن الشعبي الناتج عن أن مشاكل البلاد الأمنية والسياسية بلغت سقفها النهائي”.

ويوضح جادين، أن اللحظة الحياتية التي يعيشها الرئيس تجعل منها لحظة تغيير، فضغوط المحكمة الجنائية والعزلة الدولية المحيطة به وهو في آخر رئاسه له، ربما تدفعه للتفكير في القيام بعمل “كويس” يُحفظ له في مقبل أيامه. ويشير جادين إلى زيارتيه المفاجئتين لكل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر، وربما يقوم بزيارة مرتقبه لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي ربما تستهدف الحصول على دعم يستند عليه الرئيس في مرحلة ما بعد التنصيب.

من جهته، يرى المحلل السياسي أبوذر علي الأمين، إن الرئيس البشير تجاوز محطة الإنتخابات باعتبارها محطة رئيسية، ودخل الملعب المفتوح لكل الإحتمالات، ليختار منه ما يشاء.

ويضيف: أن الرئيس كان يرتب لإحداث تغيير استناداً على الحزبين الكبيرين الإتحادي الديموقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني، والأمة القومي بقيادة الصادق المهدي، لكن مواقف المهدي الأخيرة أفشلت هذا المخطط، فسارع إلى فتح حوار مع الإسلاميين في حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي، ومن نسيج هذه التحالف يستطيع “تنويم” الإجسام الإسلامية الكامنة بحيث لا تستشعر الخطر.

وينفي الأمين أن يكون للحديث المتداول عن تقارب الإسلاميين في المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي واتجاههم نحو التوحد أثراً كبيرا، لأنه يواجه تذمراً ورفضاً شديدين داخل الإسلاميين أنفسهم، ويقول: “هناك تذمر شديد بشأن وحدة الإسلاميين، لأن الوحدة المطروحة بلا مشروع يتم التوحد عليه، وليوحدوا عليه غيرهم”، ويرى الأمين أن من الخيارات المتاحة أمام الرئيس حال فشل التحاق حزبي الأمة والإتحادي الديموقراطي، ومع عدم ثقتهبالإسلاميين، فإنه قد يتجه للعمل مباشرة مع الحركات المسلحة، وللإعتماد بشكل كبير على العسكريين والتكنوقراط.

ويضيف الأمين، إن الرئيس ربما يستفيد من ما أسماه “الكوموفلاج” الذي نتج عن المشاركة في “عاصفة الحزم” وما قد يترتب عليه، وسوق الأشياء باتجاه مختلف عن طريقة ثورات الربيع العربي في التخلص من الإسلاميين، والتخلص منهم دون أن يفقد حكمه.

وفي غضون هذه التوقعات، فإن الحزب الحاكم يسعى لعقد حفل تنصيب ضخم على غير العادة، وجه الدعوة له لعدد كبير من رؤوساء الدول، وقال وزير الإعلام أحمد بلال أن 15 منهم أعلنوا مشاركتهم في الحفل، وهو الأمر الذي يثير حفيظة القيادي في حركة الإصلاح الآن والسابق في الحزب الحاكم، أسامة توفيق فيقول: “هذه هي المرة السادسة التي ينصب فيها الرئيس البشير، فما الفرق بين المرات السابقة وبين هذه المرة”، ويضيف:”بطانة الرئيس بأفعالها لم تزد البلاد إلاّ خبالاً، وأنها وفي ظل أزمة اقتصادية وحرب أهلية وانتخابات قال الشعب فيها كلمته تتجه نحو أقامة مهرجات عبثية لا لزوم لها”، ويستطرد ساخراً: “إلاّ إذا كانوا يريدون تحقيق نبوءة بلّة الغائب” – وبلّة الغائب عرّاف ومنجم زعم أن الرئيس البشير سيتحول إلى ملك – متوقعاً أن تعود الأوضاع في البلاد لمرحلة ما بعد الإنقلاب في يونيو 1989، وتشهد مزيد من البطش والتنكيل، ويصف ما يحدث بأنه “عبث واستهزاء بالشعب، كمن يقول للناس اشربوا البحر إذا لم يعجبكم”.

هكذا غداً “يتوج” الرئيس البشير رئيساً لخمسة سنوات تنتهي في 2020، تبلغ بها مرحلة حكمه 31 عاماً، وسط ترقب عميم وصمت من الفاعلين في الحزب الحاكم خاصة الحرس القديم، ونذر  تمرد بائنه خاصة بين الشباب، فهل تشير المقدمات المتاحة إلى حدوث إنفراجة مطلوبة ومرغوبة..؟ المقدمات الممثلة في تصاعد العمل المسلح بشكل أكثر حدة والتضييق على الحريات بشكل أوسع – ارتفعت أعداد الموقوفين السياسيين، منعت الأحزاب من إقامة أنشطت جماهيرية، زادت حالات العنف السياسي، وتوجت كل هذه الأوضاع بتكميم الصحافة، وصودرت خلال أشهر معدود أكثر من 50 صحيفة، وأغلقت أربعة الإثنين الماضي – لا تشير إلى انفراجه متوقعة، لكن الرئيس قد يفاجئ الجميع فيفعلها ويرتاح من “صخرة سيزيف” التي علقت في ظهره طويلاً، لأن التحليل المنطقي أثبت فشله في التعامل مع انقلاب الإنقاذ منذ مجيئه العام 1989..!

محمد أحمد 

تكهنات ما قبل التنصيب.. البشير و"صخرة سيزيف"الإسلاميةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودانألقت انتخابات أبريل الماضي بـ'أوزار' جسيمة على الواقع السياسي الوطني، وعلى الفائزين فيها، وعلى مقاطعيها، وعلى خاسريها والمتفرجين عليها، بدون استثناء، فكل له جريرته وثمنه الذي عليه دفعه، وربما حافزه 'الشخصي' الذي عليه صرفه. ففي الثاني من الشهر المقبل يؤدي الرئيس البشير اليمين الدستورية، ليكون بذلك أحد أقدم حكام الإقليم،...صحيفة اخبارية سودانية