د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  لا زلنا في معية القصص والروايات السياسية العالمية المحبوكة، بجهد مقدر، من المجتمع الدولي تجاه السودان، فنحكي:

  • في سبتمبر، 2004، وعلى هامش إجتماعاتالدورة الاستثنائية الثالثة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب المنعقدة في بريتوريابجنوب أفريقيا، كونت المنظمات غير الحكومية المشاركة في الدورة كونسورتيوم دارفور للضغط في اتجاه وقف الانتهاكات الجسيمة في دارفور والتعاون مع المنظمات الدولية والافريقية لحل الازمة في الاقليم. وفي نيروبي، في العام 2012، وبدعم من المجتمع الدولي، توسع كونسورتيوم دارفور ليضم أكثر من 50 منظمة غير حكومية، إفريقية ودولية تعمل في افريقيا، وأعلن عن تحويل كونسورتيوم دارفور إلى كونسورتيوم السودان، للعمل معا ومع مؤسسات الإتحاد الإفريقي، للترويج لنهاية عادلة وسلمية ومستدامة للأزمات والصراعات في كل السودان، وخاصة في مناطق الحرب الأهلية في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.
  • في مايو وسبتمبر، 2012، إنتظم في الدوحة لقاءان تفاكريان، بمبادرة من مجموعة أشارت إلى نفسها بأنها تزاملت في الهم الوطني والمعرفي، وهم الدكتور عبد الله علي إبراهيم والدكتور النور حمد والدكتور عبد الله البشير، وبرعاية المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وبمشاركة مجموعة من السياسيين ونشطاء المجتمع المدني والمثقفين السودانيين، من مختلف المشارب الفكرية والسياسية المتنوعة، بما في ذلك مجموعات تنتمي إلى التيار الإسلامي وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، وعدد من الخبراء السودانيين المنخرطين في أنشطة مشتركة مع المجتمع الدولي. اللقاء الأول ضم اربعين مشاركا، والثاني خمسين.بحث اللقاءان، واللذان إعتمدااسلوب العصف الذهني والحوار الدائري المفتوح، سبل الوصول إلى مساومة تاريخية تحقق تسوية وطنية شاملة، تحقن الدماء وتوقف هدر الموارد وتضع أساسا جديدا لبناء الوطن، وإقترحاعقدمؤتمرمائدةمستديرة لتحقيق هذا الهدف. وفي اللقاء والفعاليات المصاحبة للقاءي الدوحة التفاكريين، عبر المشاركون عن عدد من الأفكار والنقاط الهامة، الجديرة بالإهتمام والنقاش ومواصلة الحوار حولها، مثل: أ- مع ضرورة الإنتباه بخطل أن نحاكم رواد الإستقلال بمعايير اليوم، لا بد من الإشارة إلى أن الإستقلال وكأنه أختصر في السودنة وإحلال السوداني محل الموظف والحاكم الأجنبي. ب- القادة الذين خرجوا من رحم مؤتمر الخريجين، لم يذهبوا لبناء حركة جماهيرية قاعدية عبر العمل والمثابرة الصبورة الدؤوبة، وإنما هرعوا تجاه القوى الطائفية التي ستوفر لهم قاعدة جماهيرية جاهزة ورهن الإشارة حسب أوامر الزعيم الروحي للطائفة. هذا الخلل ترتب عليه خلل آخر هو الشعور عند هولاء القادة بعدم الحاجة إلى صياغة برامج تلبي مطالب وطموحات هذه القواعد. وبذات القدر أيضا إتجهت فئات أخرى، وبالأخص العقائدية، صوب القوات المسلحة لإختصار الطريق إلى السلطة، وترتب على ذلك ذات الخلل. ج- بعد الاستقلال، تبنى الحكم الوطني مشروع الإستعمار البريطاني الإقتصادي والذي يركز على البناء والتنمية في المثلت الواقع في وسط البلاد، مشروع الجزيرة والسكة حديد…الخ، على أساس إستخدام عائد مشاريع هذا المثلث لتنمية الأطراف ومناطق الهامش. وبالطبع فشل هذا المشروع. وكان هذا الفشل من ضمن جذور أسباب تهميش هذه الأطراف وتناقضاتها مع المركز. وأشار الأستاذ محجوب محمد صالح إلى ملاحظة أن ذاك المثلث هو نفسه المعروف اليوم بمثلث حمدي. د- تاريخيا، ومنذ الفونج، الدولة السودانية دولة ضرائبية تستغل الهامش، وهذا النسق موجود حتى اليوم. وفي هذا الصدد إستعار د. عبدالله علي إبراهيم عبارة الراحل د. عبدالله الطيب القائلة بأن الحكم الوطني هو (بعاتي) الإنجليز، ولكنه ينهض ليس في ذات هيئته الأولى!. ه- في السودان ظل الصراع يدور حول كراسي السلطة، وإنحصر هذا الصراع وسط مجموعات الوسط ولم يتم الإنتباه ألى صوت أبناء الهامش إلا بعد أن حملوا السلاح. و- الاستعمار التركي كان ينهب خيرات البلد ولم يكن يفجر مواردها لخلق قيمة وعائد اقتصادي بهدف التنمية، لكن الأهم من ذلك أن نشاط الاستعمار ذاك كان يتم عبر وسطاء سودانيين، هم الجلابة.
  • هل ستنتقل عدوى الربيع العربي إلى السودان، خاصة بعد الإحتجاجات الشبابية في 2011 و2013؟. سؤال أقلق كثيرا، منام المجتمع الدولي. وفي سبيل البحث عن إجابة شافية له، دفعت بلدان المجتمع الدوليبأعداد كبيرة من نشطائها لزيارة السودان، مبعوثين وباحثين وصحفيين ومتحدثين لبقين في مقهى الأوزون..!، ظلوا يرسلون تقاريرهم ليعكف على دراستها خبراء ومفكرون وسياسيون يعملون لصالح بنوك التفكير (think tanks) والمراكز المتخصصة والإدارات المعنية، في عواصم بلدان المجتمع الدولي، محاولين الإجابة على هذا السؤال الرئيس والمحوري، وليخرجوا إلينا بعدد من السيناريوهات، مثل سيناريو الهبوط الناعم (soft landing)، وسيناريو الإنتقال المنظم أو المتحكم فيه (managed or controlled transition)، وسيناريو إستراتيجية الخروج (exit strategy)…، وغير ذلك من السيناريوهات المرتبطة بالإجابة على هذا السؤال. وتنطلق هذه السناريوهات من عدة فرضيات يتبناها المجتمع الدولي في تحركه تجاه الأزمة السودانية، مثل فرضية ضعف وعجز الحركة السياسية المعارضة على فرض التغيير في البلاد، مقرونا بحقيقة أن الإنقاذ لا يهمها إختلاط مياه النيل بدماء أبناء الوطن، وأن الحركات المسلحة في الهامش ليست سوى حركات إقليمية لن تستطيع الوصول إلى الخرطوم. ومن ثم، طرحت نظرية الهبوط الناعم، Soft Landing، أي أن بديل الإنقاذ هو نظام الإنقاذ نفسه بعد قصقصة أظافره ولجم تفلته، ثم تطعيمه ببعض أطراف الحركة السياسية المعارضة!. ومن جانبها، لم تقصر الانقاذ في استثمار هذه الأطروحة، فأضحت تستخدم التهويش والتخويف بأن إنهيار الإنقاذ يعني الصوملة.! ويدخل ضمن مفهوم الهبوط الناعم، سيناريو الإنتقال المتحكم فيه (Controlled transition)، والذي طرحته “مجموعة الأزمات الدولية”في تقريرها الصادر في نوفمبر 2012، وتتبناه مجموعة من خبراء المجتمع الدولي المرتبطين بمراكز صنع القرار في الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية، وهي ذات المجموعة التي تمخضت عن توصياتها إتفاقية نيفاشا. والسيناريو يقوم على أن يبديالمجتمعالدوليإستعداده لتقديم الحوافز لقيادة المؤتمر الوطني، خاصة الرئيس،شريطةأنتشرعهذه القيادة، وتحديدا الرئيس، أولا،ًوقبل كل شيئ، وبنحوٍراسخ،في إعلان فترة إنتقالية تحكمها خرطة طريق تتوافق عليهاالقوى السياسيةكافة.ويشير السيناريو إلى أن ضربة البداية هي أن تعترف الإنقاذ بالأزمة الخانقة التي تمر بها البلاد، وأن تقر أيضا، بأن حل هذه الأزمة يتطلب تعديلاتأكثرجذريةمنتلكالتيكانتتستخدمهاسابقا منأجل الإستمرار في السلطة. إن فعلت الإنقاذ ذلك، يُمكن للمجتمع الدولي، أن يقدم لها مجموعة من الحوافز المتنوعة، بما في ذلك موضوع المحكمة الجنائية، وأن يساعدها على تحقيق تلك التعديلات تباعاً وبمسؤولية. ويدعو السيناريو إلى ربط تلك الحوافز، وبعناية فائقة، بمايفي به حزب المؤتمر الوطني من استحقاقات محددة غير قابلة للنقض، ومواصلة العملية الانتقالية بشكلٍ يُمْكِنُ التحقُّقُ منه. أما خرطة الطريق، فتشمل: 1- تقود الفترة الإنتقالية حكومة إنتقالية مكونة من المؤتمر الوطني وأحزاب المعارضة والجبهة الثورية السودانية ومجموعات الشباب، وترتكز على المبادئ المتَّفق عليها والواردة في الإتفاقيات العديدة الموقعة بين الحكومة والمعارضة، وتكون أولى مهامها، وقبل كل شيء، وقف إطلاق نار شامل، ووصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق النزاع، وإطلاق الحريات العامة. 2- البدء في إجراء إصلاحات هيكليةأساسية، تنهي هيمنة نظام حزب المؤتمر الوطني على كل مفاصل السلطة، وإحتكاره للسياسة والاقتصاد والمجتمع، بإعتبار ذلك هو العقبة الرئيسة، وإن لم تكن الوحيدة، أمام إنجاز التغيير. 3- إطلاق حوار وطني يشمل القوى السياسية المدنية والمسلحة والمنظمات المدنية والاهلية والاجتماعية، يهدف إلى: أ- وقف الحرب الأهلية والإتفاق على نظام للحُكم يُمكنه وضع حدٍّ للنزاعات بين المركز والأطراف. ب- صياغة الدستور الدائم. 4- إنهاء حالة الإفلات من العقاب،عبر: أ- تعيين قضاة مشهود لهم بالحيدة والنزاهة بما فيهم قضاة المحاكم الخاصة ؛ب-ضمان استقلال المحاكم ومراجعة إجراءات الشرطة في التحقيق، والاعتقال، والمقاضاة؛ ج- محاسبة القوات الحكومية والمليشيات المرتبطة بها لانتهاكها القانون الدولي الإنساني؛ د-تعديل الأحكام الواردة في قانون الشرطة، والقانون الجنائي، وقانون الإجراءات الجنائية التي تُعطي الشرطة والأمن حصانةً شخصية.

وللمفارقة، فإن هذا الطرح، إذا ما تغاضينا عن إشارة الحوافز الواردة فيه، يلتقي في أكثر من جانب مع ما جاء في وثيقة البديل الديمقراطي المقدمة من تحالف قوى الإجماع. (نواصل).

د. الشفيع خضر سعيد

السودان والمجتمع الدولي .."لا يمكن حل قضية شعب من خارجه وبالإنابة عنه" (4)https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/shafie-2.jpg?fit=300%2C290&ssl=1https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/shafie-2.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتسياسة  لا زلنا في معية القصص والروايات السياسية العالمية المحبوكة، بجهد مقدر، من المجتمع الدولي تجاه السودان، فنحكي: في سبتمبر، 2004، وعلى هامش إجتماعاتالدورة الاستثنائية الثالثة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب المنعقدة في بريتوريابجنوب أفريقيا، كونت المنظمات غير الحكومية المشاركة في الدورة كونسورتيوم دارفور للضغط في اتجاه وقف الانتهاكات...صحيفة اخبارية سودانية