د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

(1)

مثل غيري من السودانيين، أقرأ الرواية والقصة. وفي مرحلة مضت من رحلة العمر كنت أقرأ بشغف كل أسبوع رواية جديدة في سلسلة “روايات عالمية” القادمة إلينا من شمال الوادي بترجمات العديد من بطون الأدب العالمي. كانت سباحة ممتعة في الخيال وفي إكتشاف المدن والأمكنة والفضاءات بما في ذلك فضاءات النفس البشرية. ثم جاء زمن الانحسارات الكبرى حين اصيبت البلاد بالجدب في أكثر من موقع، وأصابت الندرة تدفق ترجمات الادب العالمي إلى البلاد وانقطعت سلسلة “روايات عالمية”. تذكرت تلك الروايات وأنا اتابع، مثل غيري أيضا، تفاعلات وتعاملات المجتمع الدولي مع قضايا السودان، والتي يدركها الكثيرون من أبناء السودان في شكل قصص و”روايات عالمية” في السياسة. وإذا كانت أغلبية سلسلة “روايات عالمية” الأدبية هي ترجمات لكتاب وأدباء من أمريكا وأوروبا، فإن الروايات العالمية “السياسية” الراهنة تصنع أيضا في أمريكا وأوروبا، ولكن ليس في منابع الأداب والفنون، وإنما في تلك الدوائر المتنفذة التي ظلت موضوعيا تسهم في رسم المستقبل السياسي للسودان، والتي اصطلح على الإشارة إليها إختصارا بالمجتمع الدولي. نرصد هنا بعضا من تلك الروايات القديمة لما لها من دلالات هامة تساعدنا في فهم كيف يفكر المجتمع الدولي حيال بلادنا. وهذه الروايات وإن أتت خالية من مفردات الخيال الأدبي، إلا أنها ظلت دائما حبلى بشتى الإحتمالات السياسية، رغم قناعتي بإختلاط الواقعي والخيالي في الكثير منها.

جرت أحداث الرواية الأولى في العام 2002، وهي أحداث واقعية لا من نسج الخيال. فبتاريخ 27 يناير 2002 طلب الملحق السياسي لسفارة الولايات المتحدة في القاهرة لقاءا مع الأستاذ فاروق أبوعيسى عضو هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي وأبلغه رسالة من الإدارة الأمريكية طالبا منه توصيلها للجميع. تقول الرسالة: 1- الولايات المتحدة تعكف على صياغة مشروع للسلام في السودان لتتفاوض عليه الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان تكون الأولوية فيه لوقف إطلاق النار ثم يأتي بعد ذلك البحث عن اتفاق سياسي يتضمن صيغة لمعالجة موضوع علاقة الدين بالسياسة. 2- سيقتصر التفاوض على الحكومة والحركة فقط ولا مجال لمشاركة القوى السياسية الأخرى. 3- التفاوض سيكون برعاية الإيقاد وشركاء الإيقاد مع إستبعاد أي دولة أخرى (مصر وليبيا) عن العملية. 4- الإدارة الأمريكية حددت يوليو 2002 للفراغ من التفاوض والتوقيع على اتفاق إطاري بأي ثمن، حتى ولو بإرغام قرنق على التوقيع على اتفاق جزئي ثنائي، لأن ذلك خيار أفضل من عدم التوصل لاتفاق. (انتهت الرسالة). ومنذ سنوات عديدة وحتى اليوم، ظل السؤال التالي يدور في مخيلتي حائرا: ترى، هل كانت صدفة أن يرحل الدكتور قرنق هكذا سريعا ومباشرة عقب توقيع الإتفاقية ودون أن يباشر مهام تنفيذها؟ وهل كان للمجتمع الدولي أي دور في تلك الصدفة؟.

وفي نفس العام، 2002، جرت أحداث الرواية الثانية.  فبتاريخ 19 ديسمبر إلتقت لجنة مكلفة من هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي بالوسيط البريطاني في محادثات مشاكوس، السيد الن قولتي الذي ابلغها “أن خطة الوسطاء تقوم على تحقيق الممكن. مثلا إذا تم التمكن من إيقاف الحرب حتى بدون الاتفاق على التحول الديمقراطي في البلاد فهذا يكفي بالنسبة للغرض من مشاكوس. وأن قمة ما يصبو إليه المجتمع الدولي هو تحقيق السلام، أما التحول الديمقراطي، وإن كان أيضا من أماني الوسطاء الدوليين، لكنه هو معركة القوى السودانية وليس الوسطاء” (انتهى). ألا يتسق هذا القول مع توجهات المجتمع الدولي الراهنة حول ابتداع معايير خاصة لانتخابات السودان لا ترقى للمعايير الدولية، بل وتغض النظر عن الكثير من الممارسات السالبة والتجاوزات الخطيرة؟. أعتقد أن الجميع يتذكر أنه في أعقاب إنتخابات 2010، راجت رواية في بعض الصحف المحلية وبعض أجهزة الإعلام العالمية، وكذلك على لسان بعض الساسة، تقول أن تأخير إعلان نتيجة انتخابات رئاسة الجمهورية سببه أن النتيجة في شكلها الأول، ورغم كل الخروقات، لم تتعدى 46% لصالح البشير. وفشلت كل محاولات تعديل النتيجة بزيادة هذه النسبة من خلال أصوات جنوب السودان. وتلقى المجتمع الدولي رسالة واضحة تقول أن عدم فوز البشير يعني تجدد الحرب… وفورا بدأت الاتصالات والتفاهمات التي شملت واشنطن وعواصم اوروبية والخرطوم وجوبا نتجت عنها النتيجة المعلنة آنذاك. والسؤال المنطقي، وربما المعروف اجابته، هو: ما الذي ستجنيه أمريكا من المشاركة في تنصيب رئيس ترفض هي أن تلتقيه بحجة المحكمة الدولية؟.

        الرواية العالمية الثالثة أيضا جرت وقائعها عقب انتخابات 2010. ففي تلك الفترة، جاء في أجهزة الاعلام أن المبعوث الأمريكي إلى السودان آنذاك، السيد سكوت غريشن، شارك في احتفال نظمه ابناء الجالية الجنوبية فى واشنطن على شرف زيارة وزير مالية حكومة الجنوب والوفد المرافق للعاصمة الأمريكية. وخاطب السيد غريشن الاحتفال قائلا بالحرف الواحد: ” كلنا يعلم أن الإنتخابات، انتخابات 2010، مزورة وواجهت صعوبات عدة لكننا سوف نعترف بها من اجل الوصول لإستقلال جنوب السودان وتفادى العودة الى الحرب”. وأضافت الرواية أن السيد غريشن أقر بتسخير المؤتمر الوطني لاجهزة الإعلام الرسمية واجهزة الدولة لصالحه، وحرمان المعارضين منها وتقييد حركتهم جماهيرياً. مبدياً عدم إستغرابه لهذا الامر بالقول: ” هذا الامر كان متوقعاً قبل عام من الآن، واذا هناك شخص تفاجأ به فعليه إعادة حساباته”. وآنذاك، أثار حديث السيد سكوت غريشن عدة تساؤلات، لكن السؤال الأهم كان هو: هل السيد غريشن، يريد أن تأتي الانتخابات بوضع شراكة مماثل لما ظل قائما قبل إنتخابات 2010 من حيث التركيبة السياسية القائدة في البلاد حتى يتسنى إنفصال الجنوب بسلام وسلاسة وهدوء، وبذلك يكون السيد غريشن، معبرا عن الموقف الرسمي للولايات المتحدة الأمريكية، قد وضع ثقله ضد وحدة البلاد، محددا مسبقا ما يجب أن تأتي به نتيجة الاستفتاء؟!

وبعض روايات المجتمع الدولي تذكرني بذلك المنشط المدرسي الذي كنا نستمتع به كثيرا وننتظره بفارغ الصبر ونحن في مرحلة الدراسة الإبتدائية، أوالأولية، وهو برنامج الزيارات إلى المرافق المختلفة ذات الصلة بالوطن وبحياة المواطن. كنا نذهب برفقة المعلم، وفي الغالب سيرا على الأقدام “كداري” إلى هذا المرفق أو ذاك ليستقبلنا أحد المسؤولين فيه ويقدم لنا شرحا مبسطا، ولكن تفصيليا، عن نشاط المرفق ودوره في المجتمع. وكانت تلك الزيارات مجدولة ضمن جدول حصص العام الدراسي تحت مسمى “زيارتنا إلى…”، فمثلا كانت هنالك “زيارتنا إلى مركز البوليس”، “زيارتنا إلى متحف السودان”، “زيارتنا إلى المركز الصحي”، “زيارتنا إلى مبنى الإذاعة”…… وهكذا. وأعتقد أن أسئلتنا البسيطة أثناء تلك الزيارات، رغم استمتاع مسؤول المرفق بها، لم تطبع في المرفق وصاحبه بصمات بنفس حجم وثقل واثر البصمات الواضحات التي طبعتها فينا تلك الزيارات وأفادتنا كثيرا في رحلة سنوات التكوين. تذكرت هذا المنشط المدرسي والمفارقة في بصماته المطبوعة وأنا أعود بذاكرتي إلى ما رشح في الإعلام، في العام 2010 حول زيارة باقة من نجوم هوليود (ممثلين سينمائيين) لمنطقة أبيي، وزيارة مجموعة من اعضاء مجلس الأمن الدولي (ممثلين سياسيين) للسودان الموحد آنذاك، واللتان سأستعرض ملخص لهما في المقال القادم…. (نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

السودان والمجتمع الدولي: "لا يمكن حل قضية شعب من خارجه وبالإنابة عنه"https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,سياسة  (1) مثل غيري من السودانيين، أقرأ الرواية والقصة. وفي مرحلة مضت من رحلة العمر كنت أقرأ بشغف كل أسبوع رواية جديدة في سلسلة 'روايات عالمية' القادمة إلينا من شمال الوادي بترجمات العديد من بطون الأدب العالمي. كانت سباحة ممتعة في الخيال وفي إكتشاف المدن والأمكنة والفضاءات بما في ذلك فضاءات...صحيفة اخبارية سودانية