د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

 ومن السيناريوهات التي كتبت مؤخرا، والمقتبسة عن الروايات السياسية العالميةتجاه السودان التي هي دائما من تأليف المجتمع الدولي، سيناريوتقسيم الأدوار بين مكونات المجتمع الدولي المختلفة، مع وجود خيط خفي يربط بقوة بين هذه الأدوار. فهناك السعي لتوحيد المعارضة في مركز واحد تمهيدا للخطوة التالية، خطوة الحوار أو التفاوض مع الحكومة.وتمثل هذا المسعى في اجتماع برلين الذي أسفر عن ميلاد نداء السودان، والذي تم بدعم ألماني مباشر، كما تمثل فياجتماعاتقوى المعارضة السودانية في باريس وأديس أباباالتي نوقشت فيها قضايا هيكلة وتوسيع نداء السودان، وتمت بدعم من منظمة الحوار الإنساني المدعومة من بريطانيا وأمريكا. هذا الجهد لتوحيد وتنظيم هيكلة المعارضة، يذكرنا بالدعم الأمريكي للتجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان في تسعينات القرن الماضي، تمهيدا للدفع الدولي اللاحق، والذي نفذ بجهد إفريقي بقيادة الجنرال الكيني سامبويا لتحقيق اتفاقات مشاكوسونيفاشا، والتوقيع على إتفاقية السلام الشامل (CPA). وحاليا، في جولات التفاوض الراهنة، تبذل جهود مضنية لتحقيق إتفاق وقف العدائيات بين الحكومة والجبهة الثورية، ويتم ذلك بدفع أمريكي وتنفيذ أفريقي بقيادة الرئيس أمبيكي. كما تبذل ألمانيا جهودا مكثفة لإنجاح فكرة الاجتماع التحضيري للحوار في أديس أبابا، وذلك بتنفيذ أفريقي يقوده أيضا الرئيس أمبيكي.

        والبعض منا ربما يصاب بالذهول وهو يشهد معنا حمى المؤتمرات والسمنارات وورش العمل التي تنظمها أطراف المجتمع الدولي، وتدعوا لها لفيفا من الإنتلجنسيا السودانية، لبحث ومناقشة سيناريوهات الخروج من الأزمة السودانية. ولا أدري إن كان هذا البعض المذهول يوافق على إعتقادنا بأن المجتمع الدولي عندما يثابر لتقديم السيناريو تلو الآخر حول الأزمة السودانية، كأنه، من ناحية، يود أن يداري فشل وخيبة سيناريوهاته السابقة في التصدي لعلاج الأزمة، وكأنه، من ناحية أخرى،يود التأكد من أن السيناريوهات المطروحة سترعى وتحمي مصالحة. لكن، من الضروري التشديد على أن حديثنا هذا، لا يحمل مثقال ذرة من الإستخفاف أو الإستنكار لأنشطة المجتمع الدولي هذه. فمن حق المجتمع الدولي أن يبحث عن أيسر السبل وأقلها تكلفة لمساعدتنا، وفي نفس الوقت تراعي مصالحه. ومن ناحية أخرى، من منا يستطيع أن يرفض، أو يخفي إعجابه بهذه المناهج العلمية في إدارة السياسة والمصالح؟.وعلى الرغم من ذلك، لدينا مجموعة من الملاحظات والمحاذير، وتخوف من أن تنتهي هذه المؤتمرات والسمنارات وما ينتج عنها من سيناريوهات بالتركيز على قضية السلطة فقط، بعيدا عن المطالب الأصيلة والأساسية لأصحاب المصلحة الحقيقية من سكان الهامش والفقراء والشرائح الدنيا في المدينة والريف، والذين في الغالب لا يجدون سبيلا للمشاركة في هذه الورش والمؤتمرات والسمنارات وصياغة السيناريوهات. وأيضا لدينا محاذير وتخوف من مواصلة المجتمع الدولي إصراره على الحلول الجزئية، المسكنة والمؤقتة، والهشةسريعة الإنهيار. وحى لا نكون مجحفين في حق المجتمع الدولي، نشير إلى تقرير “مجموعة الأزمات الدولية” الصادر في نوفمبر للعام 2012، والذي يقرر: “على المجتمع الدولي أن يعي دروس مبادرات التسوية السابقة الفاشلة. فالسودان يحتاج إلى اتفاقية سلامٍ شامل حقاً، وليس تسوية جزئية تخدم تكتيكات “فرِّق تسد” التي تتبعها الحكومة، وتُطيل من أمد الوضع القائم غير المقبول ….، السبيل الوحيد للخروج من مصيدة النزاع الدائم هو ايجاد حلٍ شامل واصلاح سياسي حقيقي، بمافي ذلك مصالحة وطنية مقبولة لجميع الأطراف”. وأعتقد أن ما ورد في هذا التقرير منإشارة إلى ضرورة أخذ العبر من المبادرات الدولية السابقة الفاشلة، وأن المخرج هو الحل الشامل، هي إشارة إيجابية تمهد لإمكانية التعاطي بتفاعل أكثر مع مبادرات المجتمع الدولي الجديدة.

        ومن المفارقات العجيبة، والمؤلمة في نفس الوقت، أن حكومة الإنقاذ دائما ما تملأ الدنيا ضجيجا بالحديث عن الأجندة الخفية الغربية تجاه السودان، وتتناسى أن لديها باع طويل في التعامل مع الغرب كوسيط أو راع لمفاوضاتها مع معارضيها، ولا ترفض أي دعوة تأتيها حتى من أي متدرب حديث العهد بالملف السوداني، طالما هو ينتمي إلى إحدى المؤسسات الراسخة والنافذة في بلدان العالم الغربي.وذلك، مقابل رفضها الفوري لأي مبادرة سودانية لحل الأزمة، حتى وإن أتت من شيوخ الحكمة والمعرفة والذين دافعهم الأوحد هو مصلحة السودان. وعلى ضوء هذا السلوك، ألا يحق لنا أن نستنتج أن حكومة الإنقاذ تعرف جيدا الأجندة الغربية/الأمريكية والمصالح الآنية والإستراتيجية لهذه الدول، وتقبل بها حتى ولو كان من ضمن هذه الأجندة والإستراتيجيات تسهيل عملية إنفصال الجنوب! وفي ذات السياق، أذكر أنه في إحدى جولات التفاوض في أديس أبابا في العام 2013، والتي ضمت حكومة السودان وحكومة جنوب السودان والحركة الشعبية قطاع الشمال، صرخ وفد الحكومة مستنكرا ومشتكيا إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أن مفاوضي حكومة جنوب السودان والحركة الشعبية قطاع الشمال تركوهم في فنادق أديس أبابا وذهبوا إلى واشنطن تلبية لدعوة من الإدارة الأمريكية. وقتها، بدا لنا أن تيم التفاوض من حكومة السودان يدعي السذاجة، وهو قطعا ليس بساذج، ولكن سلوكه كان أشبه بسلوك كائن فضائي هش تفاجأ بعالم الوحوش الأرضي (الأمريكي)، أو ربماكان الوفد يحاول إخفاء الدواهي. لكن الوفد، مثله مثل كل قادة الإنقاذ، في الحقيقة كان يستخف بذكاء الشعب السوداني، ومؤكدا عجز الإنقاذ عن مواجهة الشعب بالحقائق!. فالشعب السوداني يعلم تماما بأن الطرف في الجانب الآخر من طاولة التفاوض لم يغادر إلى القارة الأمريكية بغرض الإستجمام في جزر الهاواي، وإنما ذهب إلى واشنطن، مركز وقيادة راعي التفاوض، حيث مخازن العصا ومزارع الجزرة. أي أن سفره هو إستمرار للعملية التفاوضية نفسها، لذلك، لم يكن هناك أي داع للولولة وضرب الأوتاد في فنادق أديس أبابا!!.

لسنا بصدد إكتشاف مذهل إذا قلنا أن المجتمع الدولي يضع نصب عينيه أهدافه العامة ومصالحه الخاصة وهو يرعى التفاوض بين الأطراف المصطرعة، في السودان، أو في غيره من بلدان العالم. فهذا أمر طبيعي ومفهوم تماما في سياق لعبة المصالح، وفي سياق أن تلعب مكونات المجتمع الدولي لصالح مصالحها العليا أو الدنيا. أما من جانبنا، فأعتقد من الطبيعي أيضا تفهم أن الدافع الرئيس لهذه المكونات هو مصالحها الخاصة، لذلك، وبكل وضوح وبدون لف ودوران، نقول: لا إعتراض لدينا على ذلك ما دامت هذه المصالح لا تتم على حساب مصالحنا الوطنية. لكن، مساءلة مصالحهم ومصالحنا هذه، ليست بالمعادلة البسيطة والسهلة. وإنما هي معادلة صعبة يحتاج التعامل معها إلى قيادات وطنية حصيفة تعرف كيف تضع حدا بين اللحم والدم، وكيف تتمترس في الدفاع عن مصالح الوطن، دون أي إنحناءة أمام هجمة اليانكي، حتى ولو كان الثمن تقديم التفس الغالية. ولعلنا نتذكر الرئيس البنمي الراحل عمر طوروس، ذلك القائد الوطني الشجاع الذي قدم حياته وروحه قربانا، وهو يتشبث بمصالح بلاده في مواجهة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في التفاوض، أو الصراع الشهير حول قناة بنما في سبعينات القرن الماضي، والذي حسمته أمريكا بإسقاط طائرة الرجل وقتله.

وأخيرا،لا ندري إذا كانت الدوائر النافذة في بلدان المجتمع الدولي، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، قد توصلت إلى سر النفور، بل والكراهية، المتأصل في شعوب بلدان العالم الثالث تجاه شراهة دول الغرب، وخاصة أمريكا، لتحقيق مصالحها على حساب مصالح هذه الشعوب الفقيرة. (نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

السودان والمجتمع الدولي.. "لا يمكن حل قضية شعب من خارجه وبالإنابة عنه" (5)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/shafie-1-300x290.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/shafie-1-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتسياسة ومن السيناريوهات التي كتبت مؤخرا، والمقتبسة عن الروايات السياسية العالميةتجاه السودان التي هي دائما من تأليف المجتمع الدولي، سيناريوتقسيم الأدوار بين مكونات المجتمع الدولي المختلفة، مع وجود خيط خفي يربط بقوة بين هذه الأدوار. فهناك السعي لتوحيد المعارضة في مركز واحد تمهيدا للخطوة التالية، خطوة الحوار أو التفاوض مع...صحيفة اخبارية سودانية