د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

بالطبع، لدينا تحفظات كثيرة حيال تدخل المجتمع الدولي في السودان. ومع ذلك، لا يمكن أن نقلل من دور البعد الإنساني وراء هذا التدخل، والذي يخاطب قضية وقف الحرب ودرء آثارها ومنع تجددها. وهو دور لا بد أن ننحني له تقديرا وإجلالا. لكن، المسألة أبعد وأعمق من مجرد ذلك البعد الإنساني. فهناك، مثلا، واقع ما بعد اكتشاف وتصدير البترول وخام الذهب والاستثمارات المتوقعة من الخامات المعدنية الأخرى، والتي تضع السودان في خريطة مناطق الصراع الدولي وتنافس المصالح الاستراتيجية حول مصادر الطاقة والمعادن. ولقد ظلت احتكارات البترول الأمريكية تتابع بقلق وحذر، دخول الصين وماليزيا سوق البترول السوداني الذي بادرت باكتشافه شركة شفرون الأمريكية. والمعروف  أنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وتعاون حكومة الإنقاذ مع الولايات المتحدة بأكثر مما كانت تتوقع في محاربة الإرهاب، شرعت الدوائر والإحتكارات البترولية الأمريكية في الاستعداد للعودة السودان، ضمن مشروعها للسيطرة على النفط الأفريقي من تشاد والبحيرات حتى انقولا. لهذا أصبح من مصلحتها لعب دور في التعامل مع أزمات البلاد، يقوم على فكرة أسبقية إيقاف الحرب واستقرار مناطق انتاج البترول وأنابيب تصديره في السودان، وما عدا ذلك يأتي في مرتبة ثانية بما في ذلك الديمقراطية والتحول الديمقراطي. ولعل مما يشجع الاحتكارات الأمريكية للعودة إلى السودان تغيير المؤتمر الوطني لجلده بتبنيه خطابا مغايرا لذاك الخطاب الأول الذي يعادي الغرب وفق منطلق أيديولوجي ديني، إضافة إلى تبنيه منهجا لإدارة البلاد إقتصاديا في وجهة التبعية للإقتصاد الرأسمالي العالمي، حتى ولو تمت هذه التبعية عبر ممثلي الرأسمالية العالمية في بلدان النمور الآسيوية وتركيا والهند…الخ.

نحن اليوم نعيش في عالم لا يقبل العزلة والإنعزال. عالم تحكمه قوانين العولمة التي لا فكاك منها، والتي بدورها توفر تربة خصبة لتجلي ظاهرة موضوعية وحتمية، تتمثل في ما نشهده من تفاعلات وتداخلات وتدخلات بين مكونات هذا العالم. ودائما ما تأتي هذه الظاهرة الموضوعية الحتمية تحت عنوان وقف الحرب، ومن أجل بسط السلام وتحقيق الإستقرار. ومن هنا تأتي قناعتنا بحتمية دور المجتمع الدولي ومساهمته في المشهد السياسي في بلدان العالم الثالث، مستوطن الأزمات والكوارث السياسية والإجتماعية، السودان نموذجا. ونحن، نقر ونعترف بأن المجتمع الدولي قدم خدمات جليلة لإطفاء نيران الحروب وإخماد بؤر التوتر في العديد من مناطق العالم، وحقق أهدافا لصالح أمن وسلام وتقدم البشرية. لكن، كل إقرارنا وإعترافنا هذا، لن يعمينا من رؤية حقيقة الوجه الآخر، الجانب السلبي لدور ومساهمة المجتمع الدولي في المشهد السياسي في بلدان العالم الثالث، والذي في رأينا يتعلق بمحتوى وأهداف هذه المساهمة وهذا الدور، مع قناعتنا التامة بجدلية العلاقة بين المحتوى والأهداف.

من حيث المحتوى، أشرنا في المقال السابق إلى أن الوصفات العلاجية التي يقدمها المجتمع الدولي لعلاج الأزمات المتفجرة في دول العالم الثالث، تظل دائما حلولا جزئية ومؤقتة وهشة، تخاطب الظاهر لا الجوهر، بحيث أن تشظيات الأزمة في هذه البلدان تظل كما هي، محدثة إنفجارات داوية من حين لآخر. لقد ظلت الأزمة السودانية مطروحة على بساط البحث والعلاج في دهاليز ومختبرات المجتمع الدولي، منذ تسعينات القرن الماضي، وهذه الدهاليز والمختبرات تصدر وصفاتها العلاجية في كل مرة كأنها الوصفة السحرية الأولى. والشعب السوداني، ظل يستقبل، بفرح يشوبه القلق، فكرة التدخل الدولي في البلاد، خاصة وأن “الروح بلغت الحلقوم”. وكان يعتقد بوجود “بركة في كل حركة” من تحركات أطياف المفكرين والمنظرين وعلماء السياسة وفض النزاعات الدوليين، الحائمة في منتجعات وبراري مشاكوس ونيفاشا والإيقاد وأديس أبابا، وجميعها يرتبط بخط أحمر ساخن ومباشر مع واشنطن ونيويورك، ظنا منه بأن هذه الأطياف ربما تتوصل إلى الترياق الذي سيوقف الحرب ويحقق التحول الديمقراطي والوفاق الوطني، ويصون وحدة البلاد..!! فماذا كانت النتيجة؟ …. لا تعليق!! وبالتالي، هل سيكون تجنيا، أو نكرانا للمعروف، إذا قلنا أن محتوى الحلول التي ظل المجتمع الدولي يطرحها لعلاج أزمتنا الوطنية، في ظل إستمرار عجزنا عن القيام بدورنا، وفي ظل فشلنا في تطويع هذه الحلول لصالح واقعنا، جاء بتعقيدات جديدة في واقعنا السياسي، بحيث أن دور المجتمع الدولي في المشهد السياسي السوداني أصبح أقرب لأن يكون من ضمن مكونات “الحلقة الشريرة” في البلاد! قولنا هذا يستند إلى النتيجة الملموسة والماثلة أمامنا، كما يستند إلى جملة من السمات المصاحبة لأطروحات المجتمع الدولي، ومنها:

أولا: جزئية وإنتقائية منهج الحل، وإنطلاقه من أفكار مسبقة يغلب عليها الطابع الأكاديمي وقوة المصلحة. وحتى عندما يقترب الحل المطروح من الشمول ومخاطبة كل التفاصيل، تهزمه آليات التنفيذ القاصرة، والتي مرة أخرى يسيطر عليها المنهج الجزئي والإنتقائي، فتحصر الحل في طرفين فقط، مثلما حدث في إتفاقية السلام الشامل/ إتفاقية نيفاشا.

ثانيا: سيطرة فرضية أولوية الإستقرار على التحول الديمقراطي، في تجاهل متعمد للعلاقة الجدلية بين الإثنين. وكما أشرنا في صدر هذا المقال، فإن هذه الفرضية ترتبط بالحرب ضد الإرهاب، في واقع ما بعد 11 سبتمبر 2001. وفي الحقيقة، فإن إتجاهات التفكير الجديدة، والمعبر عنها بفرضية أولوية الاستقرار على الديمقراطية وحقوق الإنسان، بدأت تتشكل في بعض مراكز المجتمع الدولي، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أحداث 11 سبتمبر المؤسفة. وبالطبع، سنكون مخطئين إذا تجاهلنا حقيقة أن التحركات الدولية تجاه السودان ظلت مرتبطة بهذه الإتجاهات والسياسات الآخذة في التبلور على الصعيد الدولي بعد تلك الأحداث، وارتباط نظام الإنقاذ أنذاك بأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، ومحاولاته المحمومة للإفلات من أي ضربة أمريكية محتملة، حتى وإن أدى ذلك لتفريطه في وحدة وسيادة البلاد. أيضا، ترتبط فرضية أولوية الإستقرار على الديمقراطية وحقوق الإنسان بحوجة الغرب لأن تظل المناطق ذات الحيوية الإقتصادية بالنسبة له، مثل مناطق انتاج البترول، في حالة من الإستقرار. كما ترتبط بفرض معيار خاص لدول العالم الثالث يخفض من سقف طموحات شعوبها المتطلعة للديمقراطية وحقوق الإنسان، بإعتبار أن هذه الدول غير مهيأة لإستقبال الديمقراطية كاملة، وأن مجتمعات العالم الثالث يكفيها انتخابات ذات مصداقية جزئية دون الإلتزام بمعايير الحرية والنزاهة والشفافية المتعارف عليها دوليا…! أنظر تجربة المجتمع الدولي في التعامل مع إنتخابات 2010 في السودان. أعتقد أن هذه الفرضية فيها قدر من النظرة الدونية تجاه هذه المجتمعات.

ثالثا: من واقع السيناريوهات التي ظل يطرحها المجتمع الدولي لعلاج الأزمة العامة في بلادنا، تولد لدينا شعور قوي بأن المجتمع الدولي لم يعد معنيا بمفاهيم وتصورات الوحدة في إطار التنوع، وهو يغض الطرف عن القوة الكامنة التي تفرزها هذه المفاهيم والتصورات في خلق نظم ومؤسسات تستوعب الجميع وتحد من طغيان الصراع الإثني والديني. وبالمقابل، إزدادت شكوكنا حول أن المجتمع الدولي أصبح يدعم المشاريع المتطلعة إلى فكفكة الروابط التي تشدنا إلى البقاء تحت راية الوطن الواحد، في إستجابة هادئة، وتحرك حذر نحو تجسيد مفاهيم الشرق الأوسط الجديد، وإعادة رسم خارطة المنطقة، حتى أن الذهن يجد صعوبة في إستبعاد وجود رؤية/مؤامرة محكمة تهدف إلى إعادة تشكيل السودان إلى دويلات على أساس المكون الإثني. وللأسف، هذه الرؤية/المؤامرة هناك من يتبناها داخل نظام الإنقاذ، إن لم يكن بوعيه فبممارساته.

هذا ما كان من أمر محتوى مساهمات المجتمع الدولي في التصدي لأزمات بلادنا، أما بالنسبة للأهداف فسنتاولها في المقال القادم. (نواصل).

د. الشفيع خضر سعيد

السودان والمجتمع الدولي..لا يمكن حل قضية شعب من خارجه وبالإنابة عنه (7)https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/shafie.jpg?fit=300%2C290&ssl=1https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/shafie.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  بالطبع، لدينا تحفظات كثيرة حيال تدخل المجتمع الدولي في السودان. ومع ذلك، لا يمكن أن نقلل من دور البعد الإنساني وراء هذا التدخل، والذي يخاطب قضية وقف الحرب ودرء آثارها ومنع تجددها. وهو دور لا بد أن ننحني له تقديرا وإجلالا. لكن، المسألة أبعد وأعمق من مجرد ذلك البعد...صحيفة اخبارية سودانية