يُعيد القراران الوزاريان، رقم (2015م/78 ـ 2016م/214)، الصادرين من مدير عام مصلحة الأراضي بولاية الخرطوم، بإزالة 27 كنيسة بولاية الخرطوم، إلى الأذهان، عبارة “تاني مافي أي دغمسة”، التي جرت على لسان الرئيس السوداني، عمر البشير، في مدينة القضارف، شرقي السودان، بُعيد أيام على انفصال جنوب السودان، في 9 يوليو 2011.

والعبارة التي وردت في سياق خطاب جماهيري للرئيس، يومها، يشرح انتفاء التنوع الديني، بعد استقلال الجنوب، كانت إشارة مبكرة على سياسة جديدة، إزاء حرية الدين والمعتقد، وإنشاء دور العبادة التي يقرها دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م. وبدأ أنها، أي، العبارة، تجاهلت عن عمد وجود طوائف مسيحية عدة، ومعتقدات محلية أخرى بالبلاد.

ويواجه حالياً، رعايا 8 طوائف مسيحية في السودان خطر إزالة 27 كنيسة، في قضية تُعرفها السلطات على أنها متعلقة بالتخطيط العمراني، لكن نشطاء في قضايا الحريات الدينية يرون أن الأمر ليس صراع مستندات، إنما ضرباً من ضروب التمييز على أساس الإنتماء الديني ويهدف إلى التضييق على الحريات الدينية.

ويضيف ناشط في قضايا الحريات الدينية، طلب حجب اسمه، أن الموضوع ليس مجرد أخطاء إدارية، أو مطامع في أراض تقع أصلاً في مناطق طرفية، وأن الأمر يتلخص في أن جهات لا تريد للكنائس أن تقوم، بغض النظر عن الحوجة إليها.

قرار إزالة

ويعيب الناشط، على القرار، عدم قدرته على إعطاء مبررات مقنعة لعمليات الإزالة، فهو لا يفرق بين الكنائس الجديدة ولا القديمة الخالية، أو تلك التي تمتليء بالمؤمنين. ويلفت لدى حديثه لـ(الطريق)، أن الاستهداف جلياً من عنوان القرار (إزالة كنائس بمنطقة شرق النيل وبحري)، والذي من المفترض أن يعنون بإزالة المباني (العشوائية) – غير المخططة، لكن القرار موجه للكنائس مباشرة.

فيما يقول عضو هيئة الطاعنين، عن الكنائس الثلاث ببحري وشرق النيل، المحامي دمياس جيمس مرجان، إن كل الإجراءات حالياً قيد النظر، ويمكن أن تقوم السلطات في أي لحظة بإزالة الكنائس، لأنه لم يصدر قرار بعد بوقف تنفيذ تلك الإجراءات.

ويضيف مرجان لـ(الطريق)، أنهم سيعقبون على المطعون ضده، في جلسة للمحكمة يوم 6 فبراير القادم، وسيكونون بانتظار القرار، على أمل أن يأمر بوقف قرار تنفيذ الإزالة.

“أما بالنسبة للـ22 كنيسة الأخرى، الكائنة ببحري وشرق النيل، فقد قمنا بتنويرهم بالوضع. إما باللجوء بالطعون منفردين، أو تفويض هيئتنا” ، يقول ديماس.

ويضيف: أنه “في الغالب لن يخرج قرار المحكمة، عن ثلاث سيناريوهات، إما قبول الطعن، أو رفض الطعن، أو تقرر الحق (أي منح تعويض). ويقول إن المادة 6 من الدستور الانتقالي، لسنة 2005، تؤكد على حرية الدين والمعتقد وامتلاك دور ممارسة العبادة”.

ويشير مرجان، إلى أنهم في حال لم يوافقوا على القرار، سيلجأون لمحكمة الطعون الإدارية، دائرة الطعون، وفي حال لم يوافقوا على القرار، يمكنهم الذهاب أيضاً الى المحكمة العليا، دائرة الطعون الإدارية، ثم دائرة المراجعة، وبعدها المحكمة الدستورية، وأخيراً من الممكن أن يلجأوا إلى المحكمة الافريقية لحقوق الإنسان، والسودان مصادق على الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

“بتاريخ 27 يوليو 2016، وزعت قوة تابعة لجهاز لحماية الأراضي والمخالفات، إنذارات إزالة داخل 3 كنائس بمحليتي بحري وشرق النيل، وأفاد محتوى الإنذار بوجوب إزالة تلك المباني في غضون أسبوع”، يقول المحامي ديماس جيمس مرجان.

ويضيف مرجان، في بيان، بخصوص القضية، أنه “بعد تلك الإنذارات قام هو ومعه فريق من المحامين، بتقديم طلب لأخذ صورة من قرار الإزالة (2016م/ 214)، إلا أن مدير عام مصلحة الأراضي رفض طلبنا، وأردفنا ذلك بطلبين آخرين لوزير التخطيط والتنمية العمرانية، الأول طلب وقف تنفيذ، قرار مدير عام مصلحة الأراضي، المشار إليه، والثاني تظلم ضد قرار الإزالة، أوضحنا فيه: أن هذه الكنائس، إنما هي حيازات قديمة منذ الأعوام 1976، 1987، 1992، أي قبل  التخطيط. وهذه الحيازات حقوق يحميها القانون”.

يوضح مرجان، “عندما جاء التخطيط في منطقة شرق النيل، عملت اللجان على التخطيط، ومنح قطع أراضي سكنية ومرافق عامة من أسواق وميادين ومساجد وغيرها، وتعمدت عدم تخصيص قطع لكنائس، وعدم منح مستندات لغالبية تلك الكنائس وتركها على حالتها، ليتم لاحقاً اعتبارها  متعدية على ميادين وأراضي تخص مواطنين، “رغم أن التخطيط جاء لاحقاً للحق (حيازة الكنائس).

ويضيف؛ “كان على سلطات الأراضي في حالة أن الكنائس وحسب وضعها الراهن بعد التخطيط، تعويض الكنائس تعويضاً عادلاً وذلك بتخصيص أماكن للعبادة داخل الحارة (وهو ما نص عليه القانون)، قبل أن تقرر إزالة هذه الكنائس (قانون نزع ملكية الأراضي 1930م)”.

ويكشف مرجان، أن الوزير رفض التظلم وأيد قرار مدير مصلحة الأراضي، ورفض كذلك طلب وقف التنفيذ مع التوجيه باستمرار عملية تنفيذ قرار الإزالة.

ولفت إلى أنه وبعد رفض الوزارة كل الطلبات المقدمة  (صورة من القرار، ووقف التنفيذ، ورفض التظلم)، استنفدنا طرق التظلم المقررة والمتاحة قانوناً (قانون القضاء الإداري لسنة 2005)،  لنقوم في نهاية المطاف، بتقديم طعن نيابة عن الكنائس، لدى محكمة الاستئناف، دائرة الطعون الإدارية بحري وشرق النيل.

لتصرح بعدها المحكمة بعد عدة مخاطبات، من المحكمة لجهات عديدة، بينها وزارة الإرشاد والأوقاف “للتأكد من أن الكنائس مسجلة أم لا)، والثانية للجان الشعبية للتأكد من أن هذه الكنائس موجودة على أرض الواقع ومنذ متى؟، لترسل بعدها المحكمة إعلان لوزارة التخطيط والتنمية العرانية، للرد على الطعن والقضية الآن قيد النظر وفي مرحلة تبادل المذكرات.

ويشير مرجان، أثناء مباشرتنا للإجراءات القانوينة اللازمة في ما يتعلق، بالكنائس الثلاث المهددة بالإزالة ببحري وشرق النيل، علمنا مجدداً بوجود إنذارين آخرين بإزالة كنيستي،  بانتيو بجبل أولياء وكنيسة سوبا، وتم إعلان كنيسة جبل أولياء بإعلان شخصي، باسم إبرام جون وهو الأب الراعي والمسؤول منها، أما كنيسة سوبا فقد تم إعلانها شفاهةً بواسطة بعض أعضاء اللجنة الشعبية للحي الذي أخطروا إدارة الكنيسة، بأن هناك قرار إزالة لكل المخالفات بما فيها الكنيسة، وعليه يجب إخلاء الكنيسة.

لم نتعامل مع القرار الشفاهي، يقول مرجان، لذا قدمنا طلباً لإكمال إجراءات حيازة الكنيسة  والذي رفضه مكتب أراضي (الخرطوم جنوب)، وتم تعليل الرفض، بأنه تمت مراجعة دفاتر التخصيص ولا توجد حيازة باسم الكنيسة، مع العلم أن إدارة الكنيسة باشرت الإجراءات عدة مرات أمام الموظف المختص وكانت تسير بشكل جيد.

إلا أننا فوجئنا يوم تسلمنا القرار، في الثاني من فبراير الجاري، برفض الوزير لتظلمنا وسبقه، رفض مدير عام مصلحة الأراضي لتظلمنا، والحديث لمرجان، بأنه لا يوجد ملف ولا يوجد اسم الكنيسة لدى المكتب.

ويسرد مرجان مراحل أخرى في القضية قائلاً: “قدمنا مع عريضة الطعن الإداري، طلبين آخرين، أولاً: إصدار أمر بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه، ثانياً: إلزام، المطعون ضدها الوزارة، بإحضار قرار المطعون فيه (2016م /214). الطلب الأول (وقف التنفيذ) ما زال قيد النظر، بينما وافقت المحكمة على الطلب الثاني، وأمرت الوزارة بإحضار قرار المطعون فيه. لنكتشف المفاجأة غير المتوقعة، أن القرار الذي نطعن فيه يشتمل على قائمة تضم 25 كنيسة بمنطقة واحدة (بحري وشرق النيل) واسم القرار هو (إزالة كنائس بمنطقة بحري وشرق النيل).

ويعاني المسيحيون السودانيون حملة من التضييق أعقبت انقسام السودان وتوجه غالبية المسيحيين السودانيين  للدولة الجديدة في جنوب السودان.

ولم يكن القرار الحالي، القاضي بإزالة 27 كنيسة بولاية الخرطوم، هو الاول في موجة تصاعد التضييق على المسيحيين السودانيين.

وسبق أن أعلن قادة دينيون مسيحيون ان “الحكومة السودانية أوقفت منح تصاديق لبناء كنائس جديدة في السودان”، وطالبوا  الحكومة بـ”منحهم تصاديق لبناء كنائس جديدة لجهة ان بعض المسيحيين أصبحوا يقيمون صلواتهم بمنازلهم جراء إيقاف تصاديق بناء الكنائس”.

وظل مجلس الكنائس السوداني يردد، في مناسبات عديدة، انتقاداته لسلطات الخرطوم لمنعها بناء أي كنائس جديدة في البلاد.

وقال الأمين العام لمجلس الكنائس السوداني، كوري الرملي – في تصريحات إعلامية، العام الماضي – ” إن إعلان الحكومة السودانية  بأنها لن تسمح بإصدار تصاريح بناء للكنائس أصابه بالدهشة”. وتابع الرملي، “نريد من الحكومة أن تمنحنا مكانا نبني فيه كنيسة جديدة. نحن مواطنون والدستور ينص على حرية المعتقد وحرية العبادة، ونحن نطالب بحقوقنا الدستورية”.

وأضاف، ” أن السلطات صعدت من لهجتها في الفترة الأخيرة مع المسيحيين، مستخدمة نبرة فيها تهديد”.

وتنامت في الآونة الأخيرة التهديدات ضد المسيحيين السودانيين، كما  تم اعتقال العديد منهم باتهامات متعلقة بـ(تنصير) مسلمين. واعتقلت السلطات السودانية اثنين من قساوسة الكنيسة القبطية بعد أن عمدا مسلمة اعتنقت الديانة المسيحية، العام الماضي.

وأضرم متشددون اسلاميون النار في الكنيسة الانجيلية بضاحية الجريف غرب، شرقي الخرطوم، قبل ان يدمروها بواسطة بلدوزر، أبريل 2011 م.

فيما تم تدمير كنيسة أخري بمنطقة الحاج يوسف، شمالي الخرطوم، 2011م.

وهدمت السلطات السودانية، مطلع يوليو 2014م، كنيسة بحي العزبة مربع 19 ، بمنطقة طيبة الأحامدة، شمالي الخرطوم.

وهدمت سلطات محلية الخرطوم، في 2012م، مباني الكنيسة الاسقفية بالحاج يوسف، التي تأسست في العام 1987م.

وبجانب التضييق علي دور العبادة الخاصة بالمسيحيين، فهنالك حملة موازية للتضييق علي المرافق التعليمية الخاصة بالمسيحيين. إذ شنت السلطات الأمنية بولاية الخرطوم حملة استهدفت إغلاق مدارس ومعاهد تعليمية يمتلكها ويديرها مسيحيون، العام 2013م.

وأغلقت السلطات الأمنية بالخرطوم  معهد “لايف” لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (اغلق يوم 15 يناير 2013) وطُلب من مالك ومدير المعهد وهو مسيحي مصري الجنسية ان يغادر البلاد خلال 72 ساعة ،فيما تمت مصادرة ممتلكات المعهد واُمهل طلابه من الأجانب علي مغادرة البلاد خلال 48 ساعة.

وبالمثل، أغلق معهد “كريدو” لتعليم اللغة الإنجليزية وعلوم الكمبيوتر ( في العام 2013) بضاحية الحاج يوسف، شمالي الخرطوم، ويملكه ويديره مسيحي امريكي الجنسية ويقدم خدماته لطلاب أغلبهم من المسيحيين منحدرين من مختلف اقاليم السودان، وفي العام نفسه قامت السلطات بإغلاق أكاديمية “نايل فالي” لتعليم الأساس ، و معهد “اصلان” لتعليم اللغة الانجليزية وعلوم الكمبيوتر.

 

تقارير الطريق

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/i.jpg?fit=300%2C169&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/i.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقMain Sliderتقاريرالحريات الدينية,حرية الاعتقاديُعيد القراران الوزاريان، رقم (2015م/78 ـ 2016م/214)، الصادرين من مدير عام مصلحة الأراضي بولاية الخرطوم، بإزالة 27 كنيسة بولاية الخرطوم، إلى الأذهان، عبارة 'تاني مافي أي دغمسة'، التي جرت على لسان الرئيس السوداني، عمر البشير، في مدينة القضارف، شرقي السودان، بُعيد أيام على انفصال جنوب السودان، في 9 يوليو...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية