تختزن الذاكرة الشعبية لسكان مثلث حلايب، المتنازع عليه بين السودان ومصر، حكايا حزينة من نهار اقتحام القوات المصرية للمدينة، وما خلفه ذلك الإقتحام العسكري من دمار ومآسي.

وما تزال مجالس سكان المدينة، الواقعة علي ساحل البحر الأحمر، شرقي السودان،  تضج بالحكي عن ذلك النهار من عام 1995م، الذي تغيرت فيه ملامح حياتهم، حينما داهمتهم قوات تتبع للجيش المصرى قوامها أسطولاً بحرياً كامل العدة والعتاد، وعدد من الطائرات الحربية التى استمرت في إلقاء القنابل لساعات فى البر والبحر، لتقوم بعدها بمحاصرة مدينة حلايب وجميع القرى التى تقع حولها والتى تفوق الـ (20) قرية.

 قتلت القوات المصرية – حينها – العديد من سكان المثلث، ثم فرضت طوقاً أمنياً على جميع أراضى المثلث الذى يضم مدن حلايب، وشلاتين، وأبو رماد.

من حينها، أصبح التنقل من قرية إلى أخرى لايتم إلا عبر التسلل أو دفع الرشاوى للجنود المصريين – بحسب إفادات مواطنين.

وإلحاقا لتلك الإجراءات الأمنية، أبعدت القوات المصرية عدد كبير من السائقين السودانيين وأصحاب اللوارى بعد مصادرة سياراتهم ومنعهم من الدخول.

مع إحكام فرض الطوق الأمني علي مثلث حلايب، بدأت السلطات المصرية بعد ذلك تنفيذ مجموعة من السياسات التى هدفت لـ” تمصير المثلث وطمس هويته السودانية” – حسبما يري مواطنون سودانيون من قاطني المثلث تحدثت إليهم (الطريق).

إستفتاء قسرى

إجبار السودانيين القاطنين بمثلث حلايب علي المشاركة  بالتصويت في الإستفتاء علي الدستور المصري الذي تم مؤخرا، يراه السودانيين بحلايب علي انه محاولة ضمن محاولات عديدة تبذلها السلطات المصرية لتمصير المثلث.

ويري العمدة، محمد عثمان تيوت، أحد قيادات مجموعة البشاريين السودانية – التى ينتمى إليها سكان مثلث حلايب، ” إن السلطات المصرية تبذل جهداً كبيراً من أجل تمصير المثلث ومحاولة ضمه قسراً للدولة المصرية”، ويضيف في حديثه لـ(الطريق) : ” أن إجبارنا على التصويت فى عملية الإستفتاء على الدستور المصرى يأتى فى إطار هذه الخطة على الرغم من أن كل الشواهد التاريخية تؤكد أن منطقة حلايب كانت ولاتزال جزء من السودان وأن إرتباط سكان المثلث بالسودان لايزال قوياً مع دخول الإحتلال المصرى عامه التاسع عشر”.

وقال العمدة تيوت: ” المواطنون السودانيون في حلايب يعانون كثيراً فى سبيل التواصل مع ذويهم خارج المثلث وذلك بسبب تحكم السلطات المصرية فى حركتهم وتباطؤها فى منحهم تصاريح للدخول أو الخروج من المثلث”.

مواطنين مغلوبين على أمرهم

 يوضح العمدة تيوت في حديثه لـ(الطريق) بعضا من حقب تاريخ حلايب، إذ يقول: ” الاراضى التى تقع داخل المثلث كانت تضم أكثر من (40) مجلس بلدى تتبع لمديرية البحر الأحمر السودانية – في السابق – قبل إحتلال المثلث بواسطة الجيش المصرى. وهي أراضى سودانية لاجدال فى سودانيتها بحكم الجغرافيا والتاريخ، وجميع هذه الأراضي ملك للبشاريين- بحسب تيوت”.

وأبدي تيوت حسرته علي ضياع أرض أجداده، قائلاً: ” المواطنون هنا يعلمون حقوقهم في ملكية الارض، لكنهم مغلوبين على أمرهم ولايستطيعون مقاومة سلطات الإحتلال المصرى دون تدخل الدولة السودانية، لذا تجدهم يخضعون لحكم الأمر الواقع حتى تعود الأمور إلى نصابها”، ويضيف تيوت: “حتى أولئك الأفراد الذين يظهرون فى وسائل الإعلام المصرية إنما يفعلون ذلك بدافع غبنهم تجاه السلطات السودانية التى نكلت ببعضهم فقط بسبب إنتماءاتهم السياسية”.

عدم الرغبة فى الحل

“إن قضية حلايب من القضايا الحدودية التى يمكن حلها ببساطة فى المحاكم الدولية طالما إن الدولة السودانية لديها مستنداتها، لكن من الواضح أن الحكومة السودانية ليس لديها الرغبة فى الوصول إلى حل فى الوقت الحالى”، بهذه العبارات بدأ خبير القانون الدولى د.عثمان أحمد فقراى حديثه لـ (الطريق)، وأضاف:  ” الحدود السودانية المصرية تم ترسيمها والتأكيد ثلاث مرات الأولى بموجب إتفاقية 1899م والتى حددت خط العرض (22) على إعتبار أنه يمثل حدود السودان الشمالية وحدود مصر الجنوبية، لكن مع وجود إمتداد للقبائل السودانية فوق خط العرض (22) فإنه قد تم تعديل الإتفاقية فى العام 1902م لتضم مثلث حلايب ونتوء حلفا للأراضى السودانية رغم أنهما يقعان أعلى خط (22)، وعندما تم توقيع الإتفاقيتين كان كلا من الدولتين، السودان ومصر، تحت الإحتلال البريطانى”.

يحتفظون بجنسياتهم السودانية رغم الإحتلال

يقول فقراى في حديثه لـ(الطريق)، ” عندما نال السودان إستقلاله عام 1956م كانت مصر أول الدول التى إعترفت بحدود السودان التى تضم مثلث حلايب، وتم إيداع الحدود والعلم وشعار الدولة فى الأمم المتحده ولم تسجل مصر إعتراض إلا فى العام 1958م وحينما تقدم السودان بشكوى لمجلس الأمن بهذا الخصوص عادت مصر وأكدت إعترافها بتبعية حلايب للسودان، ولاتزال شكوى السودان موجودة فى مجلس الامن – بحسب فقراي – ويتم تجديدها سنوياً بحسب النظم المتبعة فى مجلس الأمن ويمكن الإستناد إليها إن تطلب الأمر اللجوء للتحكيم الدولى”، ويؤكد فقراى فى حديثه لـ (الطريق) ” إحتلال مصر لمثلث حلايب بدأ مع وصول الإسلاميين للحكم فى السودان حيث دخلت القوات المصرية إلى بعض أراضى المثلث فى العام 1992م وبعد فشل محاولة إغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا عام 1995م قام الجيش المصرى بإحتلال المثلث بالكامل حيث فرض سلطة الأمر الواقع على المواطنين هنالك وأجبرهم قسراً على حمل الجنسية المصرية رغم انهم لايزالون يحتفظون بجنسيتهم السودانية”، وأردف فقراى ” كل الوقائع تشير إلى سودانية مثلث حلايب رغم محاولات التمصير التى تمت خلال السنوات الماضية وإن اللجوء إلى التحكيم الدولى سوف يحسم هذا الأمر ببساطة”.

تقارير الطريق

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/حلايب1-300x160.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/حلايب1-95x95.jpgالطريقتقاريرشرق السودان,شمال السودانتختزن الذاكرة الشعبية لسكان مثلث حلايب، المتنازع عليه بين السودان ومصر، حكايا حزينة من نهار اقتحام القوات المصرية للمدينة، وما خلفه ذلك الإقتحام العسكري من دمار ومآسي. وما تزال مجالس سكان المدينة، الواقعة علي ساحل البحر الأحمر، شرقي السودان،  تضج بالحكي عن ذلك النهار من عام 1995م، الذي تغيرت فيه...صحيفة اخبارية سودانية