ظل الساسة السودانيون منذ فجر الاستقلال يرددون أن السودان بحكم موقعه الجغرافي يمثل جسراً للتواصل بين العرب وإفريقيا، لكنهم لم يفطنوا أو على الأقل لم يهتموا كثيراً بالدور والتحدي الذي يفرضهما هذا الموقع الجغرافي لأنهم تحت هذا الوضع يصبحون جزءاً من مشاكل العالم العربي، ولو كانت هذه النظرة غائبة في ما مضى فإن زيارتين رسميتين لرئيسي دولتين إحداهما إفريقيا للخرطوم هذا الأسبوع والاسبوع القادم تلقيان الضوء على ما يفرضه هذا الوضع المزدوج من مسؤوليات على السودان.

لا جدال أن العالم العربي يواجه الآن حالة انقسام ومواجهات واستقطاب غير مسبوقة، فهناك انقسام مذهبي (شيعي/ سني) يخيم على المنطقة، وله تداعياته السياسية على دولها، ويخلق صراعات محتدمة أو كامنة بين دول المنطقة والعلاقة مع ايران بل والعلاقة مع حزب الله في لبنان ومع غزه ومع دول الخليج، وهناك صراع بين الإسلام الوسطى والإسلام الحركي وهو ليس ببعيد عن الخلاف السني / الشيعي وانعكس في توتر العلاقات بين العراق والسعودية، وهناك صراع مع الإخوان المسلمين في مصر أولاً وله تداعياته على دول أخرى، ونتجت عنه انقسامات داخل مجلس التعاون الخليجي وسحب ثلاث من دوله لسفرائها من دولة قطر، ولقد ألقت كل هذه الخلافات بظلالها على اجتماع القمة الأخير.

يجد السودان الرسمي نفسه مطالباً بأن يمشي على حبل مشدود وهو يحاول أن يوازن بين المواقف إذ إن له مصالح قوية مع كل أطراف هذا الصراع في الخليج، وله صلات سياسية مع الإخوان المسلمين كتنظيم ولكن له مصالح مع مصر ودول الخليج، هو حريص عليها ما يفرض عليه وضعاً دبلوماسياً معقداً وتحديات يحتاج إلى كثير من الحكمة حتى لا يجد نفسه مصنفاً مع هذا الطرف أو ذاك، أو متهماً بالانحياز.

 ونفس هذا التحدي يواجهه على المستوى الإفريقي بالنسبة للموقف في جنوب السودان خاصة خلال الزيارة المرتقبة للرئيس سلفاكير إلى الخرطوم، فمهما كانت رغبة السودان في حدوث استقرار في الجنوب، ومهما كانت علاقاته على المستوى الرسمي مع الحكومة الشرعية فهو يدرك أن انحيازه له يضر بمصالحه على المدى البعيد، بل وربما على المدى القريب، وهو محتاج لاتخاذ سياسة متوازنة تجاه أطراف الصراع خاصة وأن المعارضة تنشط على حدودهن وهو تاريخياً الأقرب لتلك القبائل المنخرطة في الصراع والقتال الذي يدورالآن بين ثلاث فئات: حكومة سلفاكير، ومعارضة ريك مشار المسلحة، ومعارضة باقان أموم السياسية؛ والأخيرة بينها وبين حكومة الخرطوم ما صنع الحداد.

لذلك فإن السودان الرسمي مطالب بإثبات حيدته في النزاع وعدم انحيازه لأي طرف مهما كانت رؤيته للأطراف المتصارعة قرباً منه أو بعداً عنه. والصراع يقترب كثيراً من منابع البترول الجنوبي الذي يهم أمره السودان اقتصادياً، وريك مشار يهدد بنقل المعركة إلى مناطق إنتاج النفط، ومن مصلحة السودان ان يسود الاستقرار المنطقة ولكن من مصلحته ايضا ألا يبدو منحازاً إلى أي من الطرفين، وأن يحتفظ بخطوطه مفتوحة مع كافة أطراف الصراع في الجنوب، وهو هنا ايضا مطالب بأن يمشي على حبل مشدود ليحفظ توازنه، فهل يجتاز هذا الامتحان على المستوى العربي والإفريقي بنجاح؟.

محجوب محمد صالح

الدبلوماسية السودانية والمشي على الحبل المشدود !!https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتعلاقات خارجية ظل الساسة السودانيون منذ فجر الاستقلال يرددون أن السودان بحكم موقعه الجغرافي يمثل جسراً للتواصل بين العرب وإفريقيا، لكنهم لم يفطنوا أو على الأقل لم يهتموا كثيراً بالدور والتحدي الذي يفرضهما هذا الموقع الجغرافي لأنهم تحت هذا الوضع يصبحون جزءاً من مشاكل العالم العربي، ولو كانت هذه النظرة غائبة...صحيفة اخبارية سودانية