لا اعتقد انه كان مفاجئا لاحد ان تصل الجولة الثانية من المحادثات غير الرسمية بين الحركة الشعبية شمال والمؤتمر الوطني الى طريق مسدود وربما كان جو التفاؤل الذي بشر به ممثلو الحكومة بعد الجولة هو احد اسباب رفع التوقعات باحداث مزيد من التقدم في الجولة الثانية وقد عبرت منذ ذلك الوقت عن احساسي بان الجانب الحكومي بالغ في تفاؤله بعد الجولة الاولى دون يكون امامه ما يبرر ذلك لان الجولة الاولى لم تكن سوى مرحلة استكشافية تحدثت في العموميات التي لا تنطوي على خلافات جذرية وان الخلافات الحادة تظهر عند بحث التفاصيل وفق رؤية كل طرف وها هو ما حدث في كل الجولات الرسمية السابقة اذ يتم الاتفاق على بعض العموميات لكن الجولات تواجه الصعوبات الحقيقية عندما يدلف الحوار الى لب المشكلة وتفاصيل الحلول التي يتصورها كل طرف فتغرق المحادثات في التفاصيل وتتضح بصورة جلية الخلافات العميقة وتفشل الاطراف في تجاوزها.

وهذه هي نفس المشكلة التي عانت منها لجنة الوساطة الافريقية التي درجت في اعقاب كل جولة مفاوضات بالتركيز على التقدم القليل الذي احرز متجاهلة الصعوبات الحقيقية فتأتي تصريحاتها وبياناتها ممعنة في التفاؤل ثم تصاب بالاحباط في الجولة القادمة عندما تكتشف الهوة الكبيرة التي تفصل بين مواقف المتفاوضين.

ويوم ان بالغ اعضاء الوفد الحكومي واسرفوا في التفاؤل أثر الجولة الاولى من المحادثات غير الرسمية حذرتهم في هذا السباب من الاسراف في التفاؤل لأن (الغريق قدام) وان الاتفاق حول العموميات لا يعني شيئا دون بحث تفاصيل تلك العموميات وانه متى ما دلف الطرفان الى تفاصيل القضايا التي اتفقوا على عمومياتها سيجدون انفسهم لم يتقدموا خطوات ملموسة حول الاتفاق.

ربما كان الاجدى للطرفين ان يسجلا بامانة نقاط الخلاف المستعصية على الحل التي واجهتهم وان يفردوا لكل قضية اجتماعا كاملا بعد ان يدرس كل طرف موقفه ويحدد مدى التنازلات التي يمكن ان يقدمها وهنا يأتي دور الوسطاء وتحركهم لتجسير الهوة بين المواقف.

ليس المشكلة في نوع المحادثات هل هي رسمية او غير رسمية انما المشكلة في الرؤى المتعارضة وما دام الحوار يدور بين طرفين فقط سيظل ينتج نفس المواقف المتناقضة سواء كانت المحادثات رسمية او غير رسمية ولو شمل الحوار كل الاطراف الاخرى لوفر ذلك فرصة لظهور اصوات جديدة ورؤى جديدة ومقترحات جديدة مما يوسع دائرة التفاوض ويضفي عليه رؤية اكثر اتساعا ولكن منهج التعامل الجزئي مع القضايا التي تهم الوطن باسره لن تنجح في حل هذه الازمة الشاملة التي تواجه السودان- فلابد ان تحل قضايا النيل الازرق او جبال النوبة او دارفور في اطار مشكلة الحكم في السودان الشاسع وهذا لا يعني باي حال من الاحوال عدم الاعتراف بخصوصية اي منطقة من هذه المناطق ولكنه يعني اننا نحل القضايا ذات الخصوصية في منطقة بعينها كجزء من حل الازمة الشاملة بحيث تنسجم مع باقي الاجزاء وتكون احدى مكونات المشروع الكبير.

لقد صممت الوساطة الافريقية المحادثات الرسمية او غير الرسمية التي تدور الآن على اساس التجزئة وسارت حركات دارفور والحركة الشعبية شمال معها على ذات النهج رغم حيدتها من آن لآخر عن الحل الشامل وما دام نهج التجزئة هو السائد فاننا لا نتوقع حلولا آنية لازمة السودان …. حول هذا الاسلوب وستظل المحادثات تدور في اجواء قاصرة لتعيد انتاج ذات المواقف بصورة رتيبة ولن يحدث اي اختراق للازمة.

اننا نحتاج لاسلوب جديد للتعامل مع هذه الازمة الشاملة والى رؤية جديدة والى خريطة طريق جديدة اذا اردنا ان نخرج من هذه الحلقة المفرغة !!

محجوب محمد صالح

انهيار المحادثات غير الرسمية لم يكن مفاجئا !؟https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1.jpg?fit=196%2C300&ssl=1https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقأصوات وأصداءالأزمة السياسية في السودانلا اعتقد انه كان مفاجئا لاحد ان تصل الجولة الثانية من المحادثات غير الرسمية بين الحركة الشعبية شمال والمؤتمر الوطني الى طريق مسدود وربما كان جو التفاؤل الذي بشر به ممثلو الحكومة بعد الجولة هو احد اسباب رفع التوقعات باحداث مزيد من التقدم في الجولة الثانية وقد عبرت منذ...صحيفة اخبارية سودانية