تصريحات كثيرة صدرت عن مزارعي القضارف يشكون ويحذرون من ان جزءا من محصول(سمسم القضارف) معرض للاهدار والضياع بسبب ندرة الايدي العاملة والآليات التي تحصد ذلك المحصول القياسي الذي يتحقق هذا العام وهذه قضية أثارناها خلال الايام الماضي اكثر من مرة  ولاحظت عدم اهتمام الجهات الزراعية بمسألة شح الايدي العاملة الذي يمكن ان يهدد كافة المحاصيل في موسم الحصاد الحالي وهو أمر يقتضي الاستعانة مؤقتا بايدي عاملة من دول الجوار بل وقد يفرض على الحكومة ان تسعى لترحيل عمالة موسمية من مناطق داخل البلاد تتوفر فيها الايدي العاملة اذا كانت ثمة معلومات متوفرة لدى مكتب العمل حول هذا الأمر.

لقد أعادت أزمة الايدي العاملة في القضارف الى ذاكرتي احداث وقعت قبل سبعين عاما وتحديدا مطلع العام 1943 ونحن طلابا في كلية غردون التي كانت قد انتقلت من مباني الجامعة الحالية الى أم درمان لتسلم مباني الجامعة للقوات العسكرية الاجنبية التي توافدت على السودان للتحرك من هنا لجبهات القتال في الحرب العالمية الثانية في شرق افريقيا وشمالها وقد فاجأتنا ادارة المدرسة بالدعوة لاجتماع عاجل ذات صباح لتخطرنا ان الدراسة ستتعطل لاسبوعين وان كل طلبة واساتذة الكلية وموظفيها وعمالها سيتحركون فورا لمشروع الجزيرة للاشتراك في حملة لجني القطن اذ كان المشروع يعاني من أزمة حادة في الايدي العاملة المطلوبة لعملية لقيط القطن وبات المحصول مهددا للضياع بينما البلاد في أمس الحاجة للدخل الذي يوفره.

كانت هذه عملية كبيرة بالنسبة للمواصلات المتوفرة اذ عدد الطلاب الكلية يبلغ خمسمائة واربعين طالبا واذا اضفت لهم الاساتذة والموظفين والعمال في المدرسة وفي الداخليات والعاملين في غرفة الطعام فإن العدد يقارب الثمانمائة شخص مع نقل قدور صناعة الطعام والصحون وكل ادوات الاكل وكل المواد التموينية التي نعيش عليها في الداخليات فقد كانت الكلية مدرسة داخلية وكل طلابها يعيشون في الداخلية أُعد قطار خاص في محطة السكة حديد في الخرطوم ليستوعبنا جميعا كما أُعدت (لواري) نقلتنا نحن وكل متعلقاتنا وادوات المطابخ وكل المواد الغذائية حتى محطة المسلمية لنجد امامنا(لواري) تنقلنا الى (تفاتيش) القسم الشمالي من مشروع الجزيرة فتفرقنا على التفاتيش والقرى التي تضمها بعد أن أخلى لنا بعض مفتشي الغيط(سراياتهم)- كما كان يسمون منازل المفتش لنحولها الى(داخليات) ونفرش مراتب داخلياتنا ارضا لنعيش عليها على مدى اسبوعين نستيقظ باكرا لنجد عمال هذه(الداخلية) قد اعدوا لنا الشاي لنتناوله وننطلق في طابور الى الغيظ لنعمل في لقيط القطن مقابل ثلاثة قروش ونصف القرش لكل(قفة) قطن نوردها للميزان(والقفة) هو الاسم الذي يطلق على كمية من القطن الزهرة تبلغ زنتها (35) رطلا.

ووجودنا في الجزيرة خلال تلك الفترة خلق حراكا اجتماعيا غير مسبوق واختفت بنا قرى الجزيرة احتفاء كبيرا وغمرونا بكرمهم الفياض واقاموا ليالي ثقافية تحدث فيها الكثير من اساتذتنا خاصة الشعراء منهم وفي مقدمتهم استاذنا الراحل عبد الحليم علي طه واستاذنا احمد محمد صالح واستاذنا عبدالله عبد الرحمن فحققت تلك الرحلة غرضين اذ اسهمت بجهد المقل في انقاذ الموسم الزراعي لمشروع الجزيرة وقد اشاد القائمون على امره بالتجربة واعتبروها مساندة حقيقية للمشروع رغم ان ما انجزته في الحصاد كان محدودا وكانت الفائدة الثانية التي حققتها هو هذا الحراك الاجتماعي والثقافي الذي انتظم القسم الشمالي وحرك ساكن الريف.

لماذا لا نتبنى مشروعا لاستنفار طلاب الثانوي والجامعة في ولاية القضارف في حملة للمشاركة في حصاد(السمسم) وبالاضافة لحصاد المحصول فربما ساعدت الحملة في إعادة القضارف الى موقعها في الاغاني السودانية منذ عهد(سمسم القضارف).

محجوب محمد صالح 

حكايات عن نقص الايدي العاملة في موسم الحصادhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالزراعةتصريحات كثيرة صدرت عن مزارعي القضارف يشكون ويحذرون من ان جزءا من محصول(سمسم القضارف) معرض للاهدار والضياع بسبب ندرة الايدي العاملة والآليات التي تحصد ذلك المحصول القياسي الذي يتحقق هذا العام وهذه قضية أثارناها خلال الايام الماضي اكثر من مرة  ولاحظت عدم اهتمام الجهات الزراعية بمسألة شح الايدي العاملة...صحيفة اخبارية سودانية