لأول مرة منذ تحالف طهران والخرطوم، غابت إيران عن مناسبة رسمية سودانية كبيرة، كما غابت عن مراسم أداء الرئيس البشير لليمين الدستورية دولة تركيا الصديقة الحميمة للإسلاميين السودانيين، ولفت الأنظار غياب الرئيس الإرتري آسياس أفورقي، في الوقت الذي ضعف فيه تمثيل دول الخليج والسعودية، وحلفاء السودان الآسيويين خصوصاً الصين وروسيا، فيما جلست القاهرة على كرسي أبرز الحاضرين من بين أصدقاء البشير من القادة الأفارقة، وأبرزهم رئيس الإتحاد الإفريقي وزيمبابوي، روبرت موغابي، والإثيوبي هايلي ماريام ديسالي، والتشادي إدريس ديبي، والكيني أوهورو كنياتا.

وتعد إيران وفقاً لتقارير صحافية “الغائب الأكبر” في المناسبة الأهم بنظر الخرطوم منذ انقلاب الإسلاميين في 30 يونيو 1989، وتضاف إليها تركيا التي تربطها علاقات إقتصادية وتجارية وأيدولوجية راسخة مع السودان، وتقوم على أن نظامي الحكم في أنقرا والخرطوم نظامين إسلاميين مرجعيتهما “أخوانية”.

وتوترت علاقة طهران والخرطوم إثر طرد الأخيرة فجأة  الملحق الثقافي الإيراني وموظفية وإغلاق الملحقية والحسينيات والمراكز التعليمية التابعة لها تحت ذريعة أن وجوده “يهدد السلام الديني وينشر التشيع” في البلاد في سبتمبر 2014، وهي الخطوة التي مهدت لاحقاً لإنقلاب في علاقات السودان الإقليمية، ولمُصالحة سودانية خليجية -سعودية، يعدها الكثيرون فاتحة تحالف جديد يقوم على أنقاض الحلف القديم الإيراني -السوداني.

وكان السودان منذ انقلاب الإنقاذ في العام 1989م، صديقاً حميماً لإيران، وظلت دول الخليج تنظر لتلك العلاقة المتنامية شذراً، ولإعتبارها حلفاً يطعنها في خاصرتها بتمكين طهران من سواحل البحر الأحمر الغربية.

واعتمد السودان أيام عزلته الدولية على إيران في قضايا التدريب والتسليح، وأدت علاقة التسلح القوية والطويلة بين البلدين لأن توجه إسرائيل أكثر من ضربة جوية داخل حدود السودان تحت مزاعم أن مهربي سلاح ينشطون عبر سيناء المصرية لينقلوا أسلحة إيرانية مصنعة في السودان إلى حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في قطاع غزة لتستخدمها في عملياتها ضد إسرائيل، بلغت ذروتها بقصف الطيران الإسرائيلي لمصنع اليرموك للأسلحة وسط الخرطوم اكتوبر 2012، تحت مزاعم أنه ينتج أسلحة إيرانية لتسليح الإرهابيين الإسلاميين ضد إسرائيل.

إلى جانب هذا، سمحت الخرطوم أكثر من مرة للبحرية الإيرانية بالرسو في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، والقريبة من الشواطئ السعودية، ورغم من أن الخرطوم قالت مراراً أن توقف تلك البواخر روتيني لا يستهدف السعودية، إلاّ أنها تعتبر مثل هذه العلاقة خطر يمثل خطراً استراتيجياً من قبل إيران ضدها.

وأعلن الرئيس البشير في أبريل 2015م، بصورة مفاجئة مشاركته في عملية “عاصفة الحزم” ضد “الحوثيين” المسنودين من إيران في اليمن، وسارع بالجهر عن قبوله مشاركة طائراته المقاتلة في العملية، وفي ذات الوقت أبدى استعداده للمشاركة بكل ما يقتضيه تطور المعركة، ملوحاً بإمكان إرسال قوات برية لمقاتلة الحوثيين في اليمن، وهو الأمر الذي عدته إيران بشكل غير رسمي تنكراً من قبل الخرطوم لأياديها التي ساندتها في محنتها، وإن ظلت إيران الرسمية صامتة.

وتتويجاً لدخول الخرطوم للمحور الخليجي، أنكرت الخرطوم تماماً وجود علاقة “الإستراتيجية” كانت تربطها بطهران، ووصفت العلاقة السابقة بأنها علاقة مصالح دبلوماسية عادية، وهو الأمر الذي قد يفسر غياب إيران اللافت في الحدث الذي حشدت له الخرطوم كل قواها.

وراهنت الخرطوم كثيراً على مشاركة كبيرة من حلفائها الجدد في الخليج العربي، تعويضاً لموقفها الجديد، بلغت أن أعلنت عن مشاركة ملك السعودية سلمان بن عبدالعزيز، وأمير قطر وشخصيات خليجية بارزة في مهرجان “تنصيب الرئيس البشير”، بيد أن التمثيل السعودي والقطري والخليجي بشكل عام كان أضعف من توقعات – أو ربما تمنيات – الخرطوم، إذ بعث الملك السعودي بمستشاره، فيما مثل قطر نائب رئيس مجلس الوزراء، وأرسلت دول الخليج الأخرى ممثلين أقل درجة.

وباعتبار الغياب الإيراني مبرراً فإن الغياب اللافت لتركيا – خلت قائمة الضيوف من أي تمثيل رسمي تركي – المحكومة من قبل إسلاميين حلفاء لإسلاميي السودان، يصعب على المحللين تفسيره، بيد أن بعضهم يرجعه إلى توتر خفي بين الخرطوم وأنقرا إثر إنكار الرئيس البشير لعلاقته بالتنظيم الدولي للأخوان المسلمين.

وفي الضفة الأخرى من الحدود الشرقية السودانية، هناك “غائب كبير” هو الرئيس الإرتري، آسياس أفورقي، والذي لا تبعد حدود بلاده عن الخرطوم سوى مئات الكيلومترات، ورغم أنه اعتاد على المشاركة في كل المناسبات السودانية صغرت أم كبرت، لدرجة أنه عبر الحدود السودانية ذات مرة براً ليشارك في “مهرجان تسوق” بمدينة بورتسودان القريبة من حدود بلاده.

وتراوحت العلاقات بين أسمرا والخرطوم بين العداء الذي بلغ حد الإستيلاء على سفارة السودان وتسليمها للمعارضة المسلحة ضد نظام البشير تسعينات القرن الماضي ووساطة أنهت تمرد شرق السودان، إلى زيارات مكوكية بعضها براً بين مسؤولي البلدين.

وتتأثر العلاقة بين البلدين بعلاقة السودان بإثيوبيا، ففي الوقت الذي تتحسن فيه العلاقة بين أديس أبابا والخرطوم تسوء مع أسمرا والعكس، بيد أن السودان يبذل جهداً لخلق التوازن في علاقاته بين البلدين، لأن كلاهما يمكن أن تلحق به كثير من الأذى بدعم حركات التمرد ضده، بيد أن العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا شهدت السنين الماضية تطوراً لافتاً، بسبب الدور المحوري الذي تلعبه الأخيرة في الكثير من الملفات الإستراتيجية السودانية، والوساطات التي تقودها بين السودان وحركات التمرد ضده، وبينه وبين دولة جنوب السودان المنقسمة عنه، وبحكم دورها المحوري في الإتحاد الإفريقي ومجموعة إيقاد في أكثر من نزاع سوداني.

كما ساندت الخرطوم موقف أديس أبابا في نزاعها مع القاهرة بشأن سد النهضة، ولم تتبن الموقف المصري المناهض لبناء السد الذي ترى في تهديداً لمصالحها المائية، ما عمق من علاقة البلدين أكثر، وبدوره أثر سلباً على الخرطوم بأسمرا، وقال صحافي مختص بالقرن الإفريقي إن أفورقي لا يشارك عادة في نشاط سياسي يشارك فيه خصمه اللدود إثيوبيا، وأن مشاركة الرئيس الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين تعني عدم مشاركة أفورقي بالضرورة.

حلفاء الخرطوم من الآسيويين لم يأتوا بالمستوى الذي تتعشمه، فالصين الحليف الإستراتيجي والإقتصادي للحزب الحاكم في السودان، وروسيا الحليفة الأخرى لتي تربطها مصالح تتعلق بالتسلح والتبادل التجاري لم يكن تمثيلهما بحجم طموحات الخرطوم.

ويعد أبرز المشاركين في حفل التنصيب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي بدا إصراره على المشاركة مثيراً للدهشة، سيما وأنه حسب أجهزة إعلام مصرية كان سيغادر إلى ألمانيا للقاء المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في ذات اليوم، لكنه آثر المرور على الخرطوم لمشاركة البشير فرحته بدورته الرئاسية الجديدة.

ولا يقل وصول السيسي غرابة عن غياب إيران، بسبب الملفات الخلافية الكثيرة والشائكة المرتبطة بالصراع بين نظام السيسي وحركة الأخوان المسلمين المصرية، والإتهامات المصرية للجناح الأخواني السوداني الحاكم بمساندة “الأخوان” المصريين.

وترى الخرطوم الرسمية أن ما يحدث في مصر ابتداءً من عزل الرئيس الأخواني محمد مرسي، وصولاً لأحكام الإعدام التي أصدرتها المحاكم ضد مرسي ومرشد الأخوان محمد بديع وعدد آخر من قيادات الإسلاميين المصريين “شأنا مصرياً داخلياً”.

لكن الحاكمون في الخرطوم، وهم إسلاميون يمثلون التيار السوداني من حركة الأخوان المسلمين، التفوا على الموقف الرسمي وسيروا، الجمعة قبل الماضية، احتجاجات نددت بأحكام الإعدام ضد قادة “الأخوان المسلمين” في مصر، وعلى رأسها قيادات الحركة الإسلامية السودانية مرجعية للحزب الحاكم في السودان “المؤتمر الوطني”، وطالبت فيها بعدم الترحيب بالرجل إذا جاء الخرطوم باعتباره دكتاتورا انقلب على الشرعية، وعلق المشانق للإسلاميين.

غابت إيران، وتركيا، وإرتريا وحضرت مصر ، وبتمثيل خليجي وآسيوي خجول، وغياب غربي كبير يستند إلى عدم الإعتراف المسبق بنتيجة الإنتخابات السودانية، مع كل هذا فإن البشير أكمل تتويجه الرسمي، لكن دفتر الغياب والحضور يحمل أكثر من علامة وأكثر من إشارة..!

الخرطوم- الطريق

"طهران" الغائب الأكبر و"القاهرة" الحاضر الأبرز في تنصيب البشيرhttps://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/06/441.jpg?fit=300%2C177&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/06/441.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقتقاريرعلاقات خارجيةلأول مرة منذ تحالف طهران والخرطوم، غابت إيران عن مناسبة رسمية سودانية كبيرة، كما غابت عن مراسم أداء الرئيس البشير لليمين الدستورية دولة تركيا الصديقة الحميمة للإسلاميين السودانيين، ولفت الأنظار غياب الرئيس الإرتري آسياس أفورقي، في الوقت الذي ضعف فيه تمثيل دول الخليج والسعودية، وحلفاء السودان الآسيويين خصوصاً الصين...صحيفة اخبارية سودانية