من أهم الأسباب التي فجرت ثورات الربيع العربي في دول مثل مصر وتونس هو ذلك الزواج غير الشرعي بين (البزنس) والسياسة لأن الارتباط المدمر بين الثروة والسلطة ينتج فساداً مستشرياً ومؤسسياً يغتال المال العام قرباناً للمصالح الذاتية. والبزنس لا يتورع في سبيل الحصول على المال عن أن يفسد كل أجهزة الدولة مقابل مصالح ذاتية، ليس ذلك في بلاد العالم الثالث وحدها ـ وإن كانت هي الأكثر استهدافاً بهذه الممارسات ـ بل يحدث ايضا في الدول الكبرى وهذا هو ما دفع إدوارد هيث رئيس الوزراء البريطاني الأسبق لأن يصف (تابني رولاند) مؤسس شركة (لورنو) الفاسدة والمفسدة التي ارتبطت ايضا بصناعة السكر في السودان عبر مشروع سكر كنانة، أن يصفه بـ(الوجه القبيح للرأسمالية).

طافت بذهني هذه الخواطر وأنا أتابع بحرص الحوار الدائر على قناة النيل الأزرق في برنامج (حتى تكتمل الصورة) بين الأستاذ عثمان ميرغني والدكتور المتعافي إلى أن انتهى البرنامج دون ان تكتمل الصورة وفي النفس الشئ الكثير من (حتى)!.

اللقاء أثار من الأسئلة أكثر مما أجاب عنهان ورسم صورة بائسة وقبيحة لمستوى الأداء في أجهزة الدولة بطريقة تفتح الباب لأسوأ ممارسات الفساد والإفساد.

 لم يعارض الدكتور المتعافي أو يُفنِّد المعلومات الأولية التي أدلى بها الأستاذ عثمان عند قراءته لوقائع اجتماع مجلس إدارة شركة مشكور بل أقرَّ بها واعتبرها (تكتيك) تفاوضي! تفاوض مع من؟! مع شركة ظهرت هكذا فجأة وأسبغ عليها الدكتور صفة(الشركة صاحبة الامتياز) وهو مصطلح هلامي يعني في أفضل حالاته أن حكومة الهند منحت القرض حصرياً لشركة واحدة هي شركة (AIA) الهندية بما يعني ضمناً أن حكومة الهند ضالعة في هذا الفساد وأنها منحت القرض للشركة دون شركات الهند الأخرى العاملة في مجال إنتاج وتركيب مصانع السكر!. لم يقدم المتعافي أية وثائق تثبت ذلك، فالقرض قرض سلعي مقدم من حكومة الهند لحكومة السودان وشرطه الوحيد أن يتم الاستيراد من الشركات الهندية وفق قوانين الشفافية الهندية ـ وهي قوانين نموذجية ـ ووفق لوائح الشفافية الخاصة بالبنك المنفذ للقرض وهو بنك التصدير والاستيراد الهندي المتخصص في تمويل مثل هذه القروض بشفافية تامة. الخلل إذن حدث هنا في السودان… جهة ما هي التي أضفت صفة (الامتياز) على هذه الشركة الهندية عندما أرست العطاء عليها ووقعت الاتفاق معها، وقد ظل دكتور المتعافي يشير إلى اتفاق وقعته وزارة المالية ولم يعرضه ولم يقرأ محتوياته وظل السؤال معلقاً، وفي نهاية الحلقة أشار إلى صدور إعلان في الخرطوم يفتح باب التقديم للعطاء لهذا المصنع للشركات الهندية!!.

ورغم أنه لم يحدد تاريخ صدور الإعلان، ولا قدم صيغته، ولا أوضح الصحف التي نشر فيها، وحتى لو صدقنا ما ذهب إليه فهل يعقل أن نخاطب الشركات الهندية عامة عبر إعلان ينشر في الخرطوم؟؟ أليس مكان نشر الإعلان هو الهند؟ بل لوائح الشفافية التي يتبناها البنك تفترض أن يتم الإعلان ليس فقط في الوسائل الإعلامية بل ايضا في موقع البنك الإلكتروني، وفي موقع مجلس تنمية الصادارات الهندي ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث!. وحتى نهاية الحلقة لم نعرف كل مساهمي شركة (مشكور) وإن استمعنا لأسماء بعضهم، لكن تظهر هناك شركة هلامية اسمها تارة (قناطير) و تارة أخرى(ارتقاء)، ومساهموها يتغيرون، والأرض تتحول من حساب لآخر، ومن اسم لآخر بأمر من د.المتعافي ومديرها ينفي أن تكون شركته مساهمة في شركة مشكور بحسب ما أورده عثمان ميرغني.

 هذه صورة قائمة ولا نريد أن نسترسل في كل ما كشف عنه ذلك الحوار الذي لم يكمل الصورة، إنما نريد أن نناشد رئيس الجمهورية ليشكل لجنة رفيعة المستوى من شخصيات مشهود لها بالمعرفة والقدرة والنزاهة والشجاعة لتحقق في هذه القضية من جميع جوانبها.

القضية ليست متعلقة(بعمولة) أو (برشوة) وإنما بمنهج عمل سيئ وقاصر، يغري بالفساد، ويرفع كلفة المشاريع السودانية، ويُحمِّل دافع الضرائب ديوناً مالية مرهقة؛ فهذا المصنع لا تزيد كلفته باعتراف أهله عن مائة وعشرة ملايين سيكلفنا بسبب هذه الممارسات مائة وثلاثين مليوناً مضافا إليها أرباح البنك، ويرسم صورة قاتمة أمام المستثمرين للأساليب التي ندير بها الشأن العام تغري كل الفاسدين ليتقاطروا علينا!!.

محجوب محمد صالح

 

شركة سكر مشكور : الحاجة للجنة تحقيق رفيعة المستوى !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادمن أهم الأسباب التي فجرت ثورات الربيع العربي في دول مثل مصر وتونس هو ذلك الزواج غير الشرعي بين (البزنس) والسياسة لأن الارتباط المدمر بين الثروة والسلطة ينتج فساداً مستشرياً ومؤسسياً يغتال المال العام قرباناً للمصالح الذاتية. والبزنس لا يتورع في سبيل الحصول على المال عن أن يفسد كل...صحيفة اخبارية سودانية