الحديث الذي دار في البرلمان عن البيئة الاقتصادية الطاردة للاستثمار في السودان ليس حديث المعارضة وإنما حديث أهل النظام من مُشرِّعين وتنفيذيين؛ وإذا كان هذا هو رأي الممسكين بزمام الأمور في السودان عن الطريقة التي يدار بها الوطن فللمعارضين أضعاف أضعاف تلك الانتقادات ومئات الأمثلة لأوجه الخلل والقصور.

النواب اتهموا بعض الموظفين والشخصيات الطفيلية باستغلال المستثمرين مالياً ما يرسم صورة سيئة للبلاد ويجعل المستثمرين يفرون من السودان. وزير الاستثمار أقرَّ بكثير من العقبات، واعترف بفشل أجهزة الدولة في التنسيق فيما بينها مع غياب المعلومات والحقائق؛ وهو كوزير للاستثمار لا يعرف حجم الاستثمار في السودان الآن، ويقول بانعدام التنسيق حتى داخل القطاع الاقتصادي فتصدر قرارات من بنك السودان لا تعرف بها وزارة المالية. وكشف أن مستثمرين سودانيين فروا من الاستثمار في السودان ليجدوا بيئة أفضل في إثيوبيا، وبذلك فقد السودان أكثر من سبعمائة مشروع استثماري يبلغ حجمها المالي قرابة المليار دولار، وحمَّل قطاع الكهرباء والضرائب مسؤولية تنفير المستثمرين، فإذا كان التيار الكهربائي غير متوفر لمصانعهم فلماذا يقيمونها هنا؟. إنهم يفرون إلى بلد فيه تعاملات أفضل، وبُنى تحتية أكثر كفاءة، وعملة وطنية سعرها مستقر تماماً.

التيار الكهربائي مع شحه عالي التكلفة بالنسبة للصناعة، والارتفاع المتواصل في أسعار العملات الأجنبية مقارنة بالعملة الوطنية يشكل هاجساً دائماً ليس للمستثمرين فحسب بل لعامة الوطنيين، ويضعف قوتهم الشرائية، ويحدث كساداً في الأسواق، وارتفاعاً خطيراً في الأسعار، وموجه غلاء كاسحة.

الناس يعرفون ذلك كله ولا يتوقعون من المسؤولين الذين يتولون السلطة في البلاد أن يشاركوهم في ترديد الشكوى لأن المسؤولين هم المنوط بهم معالجة الأزمات لا ترديد الشكوى من أوجه الخلل. والبرلمان عندما يناقش يجب ألا يكون نقاشه لمجرد إخراج الهواء الساخن فالمطلوب منه أن يحاسب الجهاز التنفيذي، وأن يقدم معالجات مدروسة لأوجه الخلل، ويعقد جلسات استماع مفتوحة، ويتقدم اعضاؤه بمشروعات القرارات ومشروعات القوانين، وينشئ لجان التحقيق التي تصل إلى نتائج تُلزم بها الجهاز التنفيذي.

هذا هو الدور الذي يتوقعه المواطن من نوابه وهو لا يريد برلماناً يكبله  الولاء الحزبي ليجعل منه مجرد ساحة لإطلاق الهواء الساخن أو ترديد الشكاوى التي لا يصاحبها عمل للتصحيح مع تعطيل آليات المحاسبة التي يمنحها له الدستور ولوائح المجلس.

الأزمة الاقتصادية الحالية في تصاعد مستمر وأخطر المؤشرات هي التدني المتواصل في سعر العملة الوطنية حيث قارب سعر الدولار حاجز العشر جنيهات، ووراء هذا التدهور أسباب اقتصادية لا تجد معالجات، وكل مشاريع المعالجة التي طرحت وعلى رأسها البرنامج الثلاثي  فشلت، وفرار المستثمرين واحد من النتائج وليس أحد الأسباب. لن ينصلح حال الاستثمار في اقتصاد مأزوم فإذا أراد البرلمان علاجاً فليتصدى لجذور الأزمة، وليستمع إلى خبراء في الاقتصاد من خارج جهاز الدولة!.

محجوب محمد صالح 

الشكوى لا تفيد والرغبة في العلاج الجذري غائبة !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتاقتصاد,الفسادالحديث الذي دار في البرلمان عن البيئة الاقتصادية الطاردة للاستثمار في السودان ليس حديث المعارضة وإنما حديث أهل النظام من مُشرِّعين وتنفيذيين؛ وإذا كان هذا هو رأي الممسكين بزمام الأمور في السودان عن الطريقة التي يدار بها الوطن فللمعارضين أضعاف أضعاف تلك الانتقادات ومئات الأمثلة لأوجه الخلل والقصور. النواب اتهموا...صحيفة اخبارية سودانية