على الرغم من ان الرأي العام ظل يردد الشكوى من ارتفاع اسعار الدواء وندرته ورغم ان الوزارة تعترف بالمشكلة وتدرك ان شح النقد الاجنبي هو السبب الرئيسي لهذه الازمة وانه لن تحدث اي انفراجة في موقف الدواء ما لم تحل مشكلة توفير العملة الصعبة بالسعر الرسمي لتمويل واردات الدواء فإن الازمة ستظل تراوح مكانها وانها مرشحة لان تتصاعد الى مستوى يهدد صحة المواطنين الا انه لم تتخذ اي خطوات فعالة في هذا الصدد- بل على العكس من ذلك نتوقع تفاقم الازمة.

لقد كانت بوادر الازمة واضحة منذ بداية ازمة النقد الاجنبي بخروج النفط من المعادلة مع انفصال جنوب السودان ولم يكن الحل الذي اعتمدته الحكومة لهذه المشكلة حلا ناجعا لانها اكتفت بتخصيص عشرة في المائة من حصيلة الصادرات غير البترولية وغير المعدنية لتمويل استيراد الدواء دون التزام بتغطية اي فجوة تحدث بين جملة حصيلة الصادرات واي فجوة تحدث من مقدار تلك الحصيلة والقيمة الحقيقية لفاتورة الدواء- وهذا هو ما حدث بالضبط اذ ثبت عند الممارسة ان جملة العشرة في المائة من حصيلة تلك الصادرات لا يغطي الا ستين في المائة من فاتورة الدواء وثمة فجوة بين احتياجات الدواء والمبلغ المتاح لتمويل واردات الدواء تبلغ اربعين في المائة من قيمة فاتورة الادوية المطلوبة.

ثم جاء العلاج بعد ذلك لهذه الازمة اسوأ من الحل السابق اذ تقرر توجيه هذه الحصيلة لتمويل ما سمى بالادوية(المنقذة للحياة) مع ترك باقي الادوية تحت رحمة قوى السوق ودولار السوق الموازي الذي ارتفع حاليا الى ما يقارب السعر الرسمي للدولار وهذا يعني مضاعفة اسعار اربعين في المائة من الادوية مع ان كل الادوية هي بشكل او آخر(منقذة للحياة) ولا تتوفر فرص الشفاء للمريض ما لم يحصل عليها- وقد خلق هذا الوضع الازمة الراهنة.

وزادت الازمة تعقيدا عندما اكتشفت الشركات العاملة في مجال الادوية ان القوة الشرائية للمواطن لا تمكنه من شراء الادوية بالسعر الجديد المضاعف فتوقفت عن الاستيراد حتى لا تقع في مصيدة الكساد وعدم بيع ما تستورده فحدثت ندرة وشح واضح في بعض الادوية.

وزارة الصحة الاتحادية لا يمكن ان تكتفي بمجرد ترديد الشكوى مثل سائر المواطنين محذرة من ان شح النقد الاجنبي هو اساس المشكلة فتلك مسالة معروفة والوزارة مطالبة بابتداع الحلول والعمل على الخروج من الازمة بسياسات توفر الدواء للمواطن بالسعر المعقول.

بداية الحل تكمن في زيادة معدلات انتاج الدواء محليا وهناك مصانع دواء في السودان مؤهلة لان تحقق ذلك وبسرعة لو ازيلت من طريقها العقوبات وتوفرت لها المواد الخام ومدخلات الانتاج ولكنها لا تجد الدعم بالعملات الاجنبية لاستيراد مدخلات الانتاج ولا تجد سياسات داعمة تزيل العقبات الروتينية والاجراءات البيروقراطية المعقدة ولا تجد السرعة في اعتماد واجازة الادوية وهي عقبات تعرفها الوزارة جيدا وهي مطالبة بان تتصدى لها فتزيل العقبات الاجرائية والبيروقراطية السحلفائية بصورة لا تتعارض مع ضبط الجودة وان توفر العملة الاجنبية المطلوبة لتوفير مدخلات الانتاج واي عقبات في التمويل المطلوب اولا البحث عن اتفاقات ثنائية وتسهيلات ائتمانية او اتفاقات ثنائية توفر الدواء وتخرجه من دائرة دولار السوق الاسود ثم رفع كفاءة وانتاجية المصانع المحلية لتنتج المزيد من اصناف الادوية وضبط سوق الدواء والقضاء على التشوهات التي طالته والفوضى التي استحكمت فيه وزيادة الانتاج المحلي من الادوية سيضمن تلقائيا انخفاض الاسعار والوفرة ليأتي استيراد الادوية غير المنتجة محليا فقط بسد الفجوة من الاستهلاك والانتاج وهذا سيخفض ميزانية النقد الاجنبي لفاتورة الدواء كثيرا.

الوزارة لا تجهل هذه الحقائق ولكنها لا تتحرك لادائها فهل يحدث ذلك لان يدها مغلولة ام لأنها تفتقد الارادة القوية لاحداث هذه النقلة؟؟

محجوب محمد صالح

أزمة الدواء وعجز وزارة الصحةhttps://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1.jpg?fit=196%2C300&ssl=1https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقأصوات وأصداءالصحةعلى الرغم من ان الرأي العام ظل يردد الشكوى من ارتفاع اسعار الدواء وندرته ورغم ان الوزارة تعترف بالمشكلة وتدرك ان شح النقد الاجنبي هو السبب الرئيسي لهذه الازمة وانه لن تحدث اي انفراجة في موقف الدواء ما لم تحل مشكلة توفير العملة الصعبة بالسعر الرسمي لتمويل واردات الدواء...صحيفة اخبارية سودانية