حامد: شروط النشر الإلكتروني وتقنياته يسيرة جداً ولا توجد مساومات ومجادلات أو ربما (مماحكات) من نوع تلك التي يتعمدها الناشرون

عادل (كلر): الكتاب الإلكتروني أقل كلفة من الناحية المادية، وأوسع انتشاراً وذو وفرة عالية إذ لا مجال للحديث عن نفاد الطبعات أو النسخ

عفيف إسماعيل: في واقع السودان الماثل يستطيع الكتاب الإلكتروني أن يحلق بحرية بعيداً عن مقص الرقيب المتأسلم

الصادق الرضي: التجربة تستحق النظر إليها بجدية ونقطة الضعف التي تواجهها هي الأمية الإلكترونية في السودان

ما هو الكتاب؟ هل التعريف البديهي المعتاد لا يزال كافياً في ظل المتغيرات الحادة والسريعة في أنماط العيش، التي –بلا شك- لن تستثني جانباً من الجوانب من غير أن تضع عليه ميسمها؟ ثمة الكثير من التحولات التي تعتري فعل القراءة ومجمل العملية التي تعمل على تحقّقه، فثمة ما يحدث في النشر، مثلما هناك ما حدث ويحدث في الكتابة، لذا لم يكن (الكتاب) بعيداً عن تأثير حركة الحياة.

 

حامد بخيت الشريف
حامد بخيت الشريف

 في يوليو من العام 2013م، صدر للشاعر حامد بخيت الشريف كتاب (أسرار الخروج)، عن دار قرطبة للنشر. غير المعتاد في الأمر – بالنسبة لكاتب سوداني- كان هو صدور الكتاب (إلكترونياً) وليس في نسخة ورقية كما هو معتاد، وهو ما أحيا من جديد تساؤلات كانت ظهرت قبل عدة سنوات إبان فورة الانتشار الواسع والمجاني للكتب بصيغة (PDF) في الكثير من المواقع والمكتبات على الشبكة العنكبوتية، في ظاهرة وصفت آنذاك بأنها اختراق للقوانين التي تحكم تداول الكتاب والحقوق المادية التي تترتب على ذلك؛ هي تساؤلات عن مستقبل الكتاب وصناعته، في حال استمرّ السير في اتجاه (موت الورق) لصالح وسائط أخرى حديثة تتوافق وإيقاع العصر المستند على التدفق الهائل للمعلومات وتداولها وتطور وسائل التعاطي مع هذه المعلومات.

الآن، تحاول دور النشر الإلكتروني، ترسيخ أقدامها في مجال صناعة الكتاب بصيغته الجديدة، مراهنةً على التطور الذي يأكل المفاهيم والأساليب القديمة بسرعة، آملة أن تسود سوق الكتاب في المستقبل الذي ربما تختفي فيه الكتب الورقية إلا في المتاحف، وفقاً للمخاوف التي أبداها للمحرر الكثير من رواد معرض (مفروش) الشهري للكتاب في مناسبات مختلفة.

مثَّل قيام الشاعر حامد بخيت بنشر كتابه الأول إلكترونياً؛ نقلاً للحالة السودانية إلى مرحلة جديدة في ما يتعلق بالنشر، وهو أمر يثير تساؤلات عدَّة، حاولت (الطريق) هنا ملامسة بعضها في انتظار تغطية أوسع في قادم الأيام.

مبررات

 عملية النشر الإلكتروني بهذه الصيغة هي مغامرة – كما قال حامد لـ(الطريق) – كونها لا تستند على تجارب سابقة وواضحة، لكنه يبرر لمشروعية هذه المغامرة بقوله: “لو سلّمنا بأن الكتاب الورقي مقروء، فجمهور الكتاب الإلكتروني أيضاً في تزايد مضطرد، تبعاً لما أنتجته تكنولوجيا هذا العصر”، ويواصل حامد: “لو كنا نكتب لأجيال السبعينيات أو الستينيات لكان من المنطقي أن لا نفكر في النشر إلكترونياً، ولكنا نتعامل مع أجيال تتقن التعامل مع أدوات الحداثة ومن اليسير أن يقرأ أحدهم كتابه على جهاز الكمبيوتر المحمول أو الآيباد أو غيرها من  الوسائط الحاضرة، فهم أقرب إلى أن يكونوا زاهدين في حمل الكتب الورقية”.

عفيف اسماعيل
عفيف اسماعيل

ويرى الشاعر السوداني المقيم بأستراليا عفيف إسماعيل أن شبكة الإنترنت أصبحت “زاد الحاضر وأمل المستقبل” للنشر – حسب تعبيره. ويقول لـ(الطريق): “في ظل غياب الدولة السودانية عن حقل النشر ودعمه، أو تخفيف الأعباء المالية لمدخلات إنتاج الطباعة وموادها؛ يقع العبء الأكبر على الكُتاب أنفسهم في محاولة إيجاد بدائل تسهم في نشر ما يكتبون، والكتاب الإلكتروني واحد من هذه البدائل”.

إيجابيات وعقبات

يوضح حامد بخيت أن النشر الإلكتروني عند مقارنته بالنشر الورقي يحصد بعض المميزات التي أجملها في أن “شروط النشر الإلكتروني وتقنياته يسيرة جداً عند مقارنتها بشروط النشر الورقي، فلا توجد مساومات ومجادلات أو ربما (مماحكات) من نوع تلك التي يتعمدها الناشرون، فهنا الشرط الوحيد والمحفز لجهة ما لنشر عملك هو الجودة، فما دام العمل جيداً ومقنعاً، فهو دون شك قادر على الوصول، إضافة إلى سرعة الانتشار، فالناشر الإلكتروني يسعى دائماً لأن يحقق المبيعات الأعلى لذلك تجده يستغل كل المنافذ الممكنة للإعلان عن كتاب جديد، إضافة إلى كل ذلك يحصل الكاتب على عوائد مادية يمكن أن نقول عنها إنها جيدة مقارنة بما يمكن أن يحصل عليه من ريع كتابه الورقي، كذلك لا سبيل هنا للغش أو الخداع، فأنت تراقب كل العمليات المتعلقة بكتابك لحظة بلحظة، فلو بيعت نسخة واحدة تحصل على إشعار سريع يخبرك بما تم”.

عادل كلر
عادل كلر

 الشاعر والصحفي عادل إبراهيم (كلر)، وهو يعمل في صحيفة (الميدان) التي تصدر إلكترونياً لظروف سياسية حتمت عليها هذا الخيار؛ يرى أن هناك بعض المعوقات التي تواجه تجربة النشر الإلكتروني، حددها لـ(الطريق) في الهوّة التي يعاني منها السودان المعاصر في مجال التقنية رغم جهد شركات الاتصال التي قال إنها “لا تزال تقف أمام ولوجنا الفاعل في هذا المضمار”، وفصَّل (كلر) ذلك بأن عملية النشر الإلكتروني تفترض وجود شبكة من العلاقات المتقاطعة بين الناشر “المسوِّق” وجمهور القراء “المشترين” عبر وسيط “الشبكة العنكبوتية” والقارئات الإلكترونية “هاتف ذكي، آيباد، كمبيوتر محمول.. وخلافه”، فضلاً عن الجانب التجاري المتعلق باتصالنا بالحركة التجارية الإلكترونية العالمية، التي لا نزال – الحديث لعادل- كسودانيين في مهدها الأول من حيث انعدام التعامل مع نظام البطاقات الائتمانية مسبقة الدفع مثل “ماستر كارد master card” وصويحباتها، وحظر التعامل الاقتصادي والتكنولوجي مع السودان للأسباب السياسية المعلومة، وغيرها من عقبات.

إلا أن عادل على الرغم مما ذكره عن الصعوبات التي تعترض الكتاب الإلكتروني، يعود ويعدد مزاياه التي يرى أنها تحتم مواجهة تحديات توطينه، ويقول: “الكتاب الإلكتروني أقل كلفة من الناحية المادية، وأوسع انتشاراً وذو وفرة عالية إذ لا مجال للحديث عن نفاد الطبعات أو النسخ، ويوفر –كذلك- معلومات سماعية بالنسبة لغير المبصرين، بجانب تجاوزه لمعضلة الرقابة وبيروقراطية النشر الموجودة في كثير من البلدان، فضلاً عن كونه يتيح التواصل المباشر للقارئ مع المؤلف”، ويضيف عادل: “ومن المزايا الأخرى التي يمكن ملاحظتها بصورة أشمل أن هذا النوع من النشر يساعد في خفض معدلات التلوث الناتج عن صناعة الورق وعمليات الطباعة”.

والنقطة الأخيرة إضافة إلى ما سبقها، تتوافق مع نظرة الشاعر عفيف إسماعيل لإيجابيات الكتاب الإلكتروني في قوله: “في تقديري أن من أهم فوائد النشر الإلكتروني تقليل استخدام الورق الذي يسهم في المحافظة على البيئة على هذا الكوكب الآيل إلى الاحتباس، كذلك في واقع السودان الماثل يستطيع الكتاب أن يحلق بحرية في فضاء بعيد عن مقص الرقيب المتأسلم”. ويتفق عفيف مع عادل إبراهيم في أن من سلبيات النشر الإلكتروني أنه لمن استطاع سبيلاً من القراء لامتلاك حاسوب، أو من يستطيع أن يحج له في مقاهي الإنترنت المنتشرة وغير ذلك من وسائط. لكن عفيف يعود لإحصاء الفوائد التي يمكن تحصيلها من النشر الإلكتروني بقوله: “هناك العديد من الفوائد مثل تحدي مركزية الكتاب الورقي التي هيمنت بلا بدائل معقولة منذ فجر التدوين، وأن يُحفظ الكتاب في محركات البحث الإلكترونية إلى أبد الآبدين، وتلك ديمومة لا توفرها إلا الشبكة العنكبوتية، كذلك يسهل مهمة الرصد البحثي والنقدي لأي تجربة إبداعية منشورة على الإنترنيت ومتابعة تطورها، أيضاً اختصار الجهد والتكلفة الوقت في الاستفادة من تقنيات كل هذه العلوم الحديثة للاتصال، في النشر على أوسع نطاق، بدلاً من التخندق في حيز جغرافي محدود، بعد أن يصبح الكتاب على مرمى نقرة زر صغير على حاسوب”، ويواصل عفيف: “ويفيد كذلك في حالة الكتابة السودانية إذ هناك الكثير من المسودات حبيسة الأدراج بعيدة عن متناول القراء بسبب قلة النشر، وأيضاً ظاهرة الهدر العظيم لثروات لا تقدر بثمن لمنتج الكتاب/ ات الذين غابوا عن هذه الدنيا ولم تتوافر لهم فرصة للنشر، دائماً ما يكون حصر أهم مشاريع حياتهم الكتابية هو آخر هموم أهل الميت والمعزين معاً”.

من المجلة إلى الكتاب

الصادق الرضي
الصادق الرضي

  الشاعر السوداني المقيم ببريطانيا، الصادق الرضي، وهو مدير مجلة (سودانيز إنك) الإلكترونية، يرى أن الكتاب الإلكتروني استفاد من مكتسبات حققتها تجربة (المجلة الإلكترونية) على مدى سنوات، وهي التجربة التي يفصِّلها بقوله: “قبل عقد من الزمان، كتبت مقالاً حول مسألة النشر الإلكتروني، بطلب من مجلة ورقية تصدر عن جامعة أردنية، وبالطبع في ذلك الوقت كان الأمر منحصراً في مناقشة المنتديات التفاعلية ذات الطابع الأدبي المختص، بجانب عدد من المجلات الأدبية الإلكترونية، مثل (جهة الشعر) ومجلات أخرى توقف معظمها عن الصدور لأسباب مختلفة. المقال نفسه طفقت أطوره عاماً بعد عام، كلما حدثت تطورات جديدة في المسألة، وفق متابعتي. كان جل اهتمامي منحصراً في (المجلة الأدبية)، من واقع افتقار ساحتنا الأدبية وتأخرنا في شأن المجلة الأدبية، أو حتى الثقافية الجامعة كما كان يطلق وقتها على (مجلة الثقافة السودانية) أو (مجلة الخرطوم) الحكوميتين، وبعدها على مجلات صدرت في مطلع العقد الأول من الألفية الماثلة، في المهاجر، مثل مجلتي (كتابات سودانية) و(ثقافات سودانية) بالقاهرة، أو (مجلة ألواح) بلندن،… الخ؛ غنيٌّ عن الذكر أن جميعها متوقفة عن الصدور. المجلات الإلكترونية المختصة بالأدب وقتها، أسهمت كثيراً، بطبيعتها الحرَّة، في تدفق الأسماء والنصوص على الفضاء الإسفيري، وسرعة التواصل والتعرف على تجارب مختلفة لم يكن ليتيسر ذلك مع بطء تدفق النصوص والأسماء مع المجلات الورقية ذات الطابع الحكومي، وهيئات التحرير التي تتحكم في المحتوى -متلازمتا الرقابة بأنواعها المختلفة، ومحدودية التوزيع والانتشار- وتلك هي النقطة الحاسمة في أمر النشر الإلكتروني، دون أن يعني ذلك تساهلاً في جودة وضبط المحتوى، على المستوى الفني على الأقل، وفق تقديرات هيئات التحرير المختلفة، وفي الغالب كانت تتكون من شعراء وكتاب عرف عنهم النزوع نحو آفاق الحداثة المختلفة والتمرد على السائد. والآن جرت مياه كثيرة تحت الجسر بالتأكيد، وليست لدي تجربة على المستوى الشخصي في مسألة (الكتاب الإلكتروني) على الرغم من متابعتي لتجارب الزملاء في هذا السياق”.

ويصف الصادق نشر الكتاب الإلكتروني بالتجربة الرائدة التي تستحق النظر إليها بعين الجدية، ويتفق مع كل من عادل وعفيف وحامد في أن التجربة ربما تحقق مكاسب جديدة على مستوى تجاوز التكاليف الباهظة المعروفة للنشر التقليدي، بجانب تجاوز تقييد تحرك الكتاب الورقي عبر المطارات والموانئ. ويرى الصادق – أيضاً- أن نقطة الضعف التي تواجه النشر الإلكتروني هي المشكلة التي تتعلق بالسودان وبعض البلدان الأخرى ذات الظروف المشابهة، وهي ما سماه بـ “الأمية الإلكترونية” التي قال إنها لا تزال تضرب بأطنابها، بجانب أن وسيلة الدفع الإلكتروني، على الرغم من القيمة الرمزية للكتاب، غير مفعلة في السودان، وغير متوافرة إلا للقلة.

مستقبل

ينظر عادل إبراهيم (كلر) إلى مستقبل الكتاب الإلكتروني في مقابل الكتاب الورقي نظرة توفيقية بقوله: “لا أعتقد على مدى الخمسين عاماً المقبلة بإمكانية تنحي الكتاب الورقي لصالح الكتاب الإلكتروني، بل سيعملان معاً كجناحين يحلقان بعملية النشر، في تناغم وتكامل، وذلك في الأوضاع المجتمعية المتباينة، تباين الألسن والسحنات في كافة أرجاء المعمورة، هي تجربة آن لنا أن نخوض معترك إنجازها على وجهة السرعة، نظراً لما تعانيه عملية النشر لدينا من تعقيدات الرقابة السافرة والمعوقات الاقتصادية كارتفاع تكلفة المدخلات وضعف مستوى المنتج الطباعي من الناحية الفنية في أحايين كثيرة، وضعف المردود المادي بالنسبة للكاتب، وهو من أهم الأسباب التي عاقت توطين الكتابة كـ(مهنة) راسخة، وأعتقد بأن للكتاب الإلكتروني سهم يضرب في اتجاه كسر مغاليق هذا الجانب، على نحو مباشر”.

ويلخص حامد بخيت رؤيته المستقبلية للكتاب الإلكتروني بقوله: “يا صديقي لا أجد سبيلاً للمقارنة بين هذا وذاك ولكن كل ما يمكنني قوله هو إن اللحظة قد جاءت ليدرك أن الناس أن الوسائل لم تعد محصورة على دور الطباعة وحدها. دعنا ننظر الآن إلى صحيفتك هذه، هل تخرج للناس في صورة ورق الجرائد ذاك؟ وكم من المتصفحين يقرأ عدد اليوم؟”.

 الخرطوم – محفوظ بشرى

https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/أحد-قارئات-الكتب-الإلكترونية.jpg?fit=300%2C274&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/أحد-قارئات-الكتب-الإلكترونية.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقثقافة وفنونثقافةحامد: شروط النشر الإلكتروني وتقنياته يسيرة جداً ولا توجد مساومات ومجادلات أو ربما (مماحكات) من نوع تلك التي يتعمدها الناشرون عادل (كلر): الكتاب الإلكتروني أقل كلفة من الناحية المادية، وأوسع انتشاراً وذو وفرة عالية إذ لا مجال للحديث عن نفاد الطبعات أو النسخ عفيف إسماعيل: في واقع السودان الماثل يستطيع الكتاب...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية