وزارة الصحة الاتحادية تدرك وتقر بالأثر السلبي على القطاع الصحي المترتب على هجرة الاخصائيين خارج السودان، ولكنها – ايضا- تدرك وتقر بأن المسألة أكبر من قدرات وإمكانات الوزارة، وأن العائد على الاطباء من دخل في السودان لا يساوي شيئا مقارنة بما تتيح لهم الهجرة من عائد مالي لا تستطيع وزارة الصحة أن تجاريه أو تقترب منه.

على أن العائد المالي وحده ليس هو السبب الوحيد لهجرة الأطباء إذ أن هناك الجانب المتعلق ببيئة العمل في المستشفيات الحكومية بل والمستشفيات الخاصة ايضا، فالطبيب الذي يسعى لارضاء طموحاته المهنية وتقديم خدماته بمستوى رفيع لا تتوفر له الامكانات حسب بيئة العمل المتوفرة حاليا، بل إن هناك عجزاً وفقراً في الامكانات التقنية والفنية المتوفرة في مجال التشخيص، وهناك ضعف في إمكانات وقدرت التخصصات المساعدة في العملية الطبية.

وهناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن مشكلة هجرة الاطباء خارج السودان وهي الصعوبة في اقناع الاخصائي السوداني الذي لا يرغب في الهجرة بالعمل في مستشفيات الأقاليم لأنها تفتقر إلى أدنى مقومات العمل الطبي الذي يجب توفرها لكي يؤدي الاخصائي دوره، إضافة إلى أن العائد المادي من العمل الخاص لا يقارن بما يمكن أن يحصل عليه الطبيب من دخل من العمل في عيادته الخاصة ولذلك يرفض الاخصائيون أو على الأقل يحجمون عن العمل في العواصم الإقليمية ولا تغريهم الحوافز القليلة التي تعرضها الولاية كتعويض لهم على قبول العمل في الولايات.

الموضوع ينبغي أن يُبحث في مستواه الأعلى؛ مستوى الخطة المطلوب إنفاذها للارتقاء بالخدمات الطبية بصورة متكاملة في السودان وتوفير الأجهزة والمعدات وبيئة العمل المطلوب، والمكافئ المادي المجزي حتى نغري الطبيب بأن يبقى في بلاده.

إن أسلوب إصدار القوانين الادارية التي تحجر السفر لن يجدي وقد تم تطبيقه من قبل وأثبت فشله، واإجراءات العشوائية التي تنفذ دون ضوابط مؤسسية فشلت ايضا، وأكبر دليل عليها مشروع (توطين العلاج في الداخل) الذي أهدر المال العام وسط (زفة) هتافية غير مدروسة وغير منضبطة ولا يعرف حتى الآن أين ذهبت الأموال الكثيرة التي صرفت عليه ولا مصير الأجهزة التي استوردت بإسمه.

الأطباء والعاملون في الخدمات الصحية هم الأقدر على تحديد مطلوبات الارتقاء بالعمل الطبي في السودان، وقد بات القصور الذي يحاصر هذا القطاع مشكلة حقيقية، والأموال التي يصرفها السودانيون على العلاج داخل السودان تبلغ أضعاف أضعاف الأموال التي يصرفونها خارج بلادهم للحصول على العلاج الذي كان يمكن أن يكون متاحاً لهم داخل بلادهم التي تتوفر فيها كوادر متميزة تضطر تحت ضغط الحاجة والبيئة الداخلية الطاردة لأن تهاجر بها وترفد بخبرتها وقدراتها شعوباً أخرى!!

إذا أرادت وزارة الصحة أن تضع خطة متكاملة لإزالة هذه المشاكل والعمل على استعادة القطاع الصحي لكفاءته وعافيته فلابد لها أن تفتح الملف بكامله وبكافة أبعاده ليدير حوله (أهل الوجعة) نقاشاً صريحاً وشفافاً؛ وأهل الوجعة هم المواطنون الذين يدفعون ثمن انهيار الخدمات الطبية، وهم الأطباء القابضون على جمر القضية ويعانون يومياً من العمل في بيئة متدهورة، ويضيقون ذرعاً بالشعارات الفارغة!.

محجوب محمد صالح 

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالصحةوزارة الصحة الاتحادية تدرك وتقر بالأثر السلبي على القطاع الصحي المترتب على هجرة الاخصائيين خارج السودان، ولكنها – ايضا- تدرك وتقر بأن المسألة أكبر من قدرات وإمكانات الوزارة، وأن العائد على الاطباء من دخل في السودان لا يساوي شيئا مقارنة بما تتيح لهم الهجرة من عائد مالي لا تستطيع...صحيفة اخبارية سودانية