قلت في هذا الباب تعقيباً على التحذير الصادر من رئاسة الجمهورية للصحف بمراعاة الخطوط الحمراء، قلت: (لقد بدا وكأن التحذير من رئاسة الجمهورية عن تجاوز الخطوط الحمراء رغم أنه لم يحمل تهديداً مباشراً بالعودة للممارسات القديمة لكنَّ صياغته توحي بأنه يقدم المبرر لجهات أخرى لكي تقدم على العودة إلى المربع الأول…).

وقد جاءت هذه النتيجة بأسرع مما كنت أتوقع إذ انبرى وزير الإعلام للإسهام في هذا الحوار بتهديد ناري يتوعد بتعليق صدور كافة الصحف التي تتجاوز الخطوط الحمراء، وكشف عن اتجاه لتشكيل محاكم متخصصة في قضايا الصحف ـ مدى علمنا أن هذا مطبق الآن ولكن المحكمة ليست هي الجهة التي أغلقت الصحف حتى الآن ـ وقال إن السلطات أوقفت صحيفة (الصيحة) لجملة أسباب وعقب اتصالات وتحذيرات، مضيفاً:(أوقفنا الصيحة وحنوقف غيرها وما في حرية مطلقة).

لم أكن أتوقع أن تصدق(تكهناتي) عبر وزارة الإعلام لأن هذه الوزارة ظلت غائبة تماماً عن المشهد الإعلامي ولم يكن لها دور يذكر في النشاط الصحفي؛ فالجهة التي تصادق على صدور الصحف بنص القانون، ويمنحها القانون حق مراقبة الأداء الصحفي هي مجلس الصحافة، والجهة التي تغلق الصحف وتصادرها، وتحرم الكتاب من الكتابة، وتقيِّم الأداء الصحفي هي جهاز الأمن والمخابرات وليس للوزارة مكان في هذا المشهد، وقلَّ أن يتذكر الصحفيون أن هناك وزارة للإعلام. لقد كان الظن بالوزارة عندما تسعى للعودة للمشهد الصحفي أن تعود عبر خطاب يتسم بالرؤية السياسية والتقييم المهني لا عبر بوابة التهديد باليد الحديدية، فتلك بضاعة مزجاة لا تعالج مشكلة بل تزيدها تعقيداً، وهناك آخرون أقدر من الوزارة على القيام بهذا الدور. وفي الوقت الذي كان الوزير يرسل تهديداته كان البرلمان منهمكاً في نقد أداء وزارته وبلغ النقد درجة الدعوة لعدم توفير التمويل لها لأنها لم تحقق تقدماً على مدى ربع قرن. ونقلت الصحف الصادرة في نفس اليوم أن وزارة الخارجية أعربت عن انزعاجها من تصريحات يطلقها مسؤولون يشاطرونها ملف العلاقات الخارجية تتسبب في توتر علاقات السودان الخارجية عندما ينقلها الإعلام، وعزت ذلك إلى عدم وجود متحدث رسمي للحكومة، وهذا هو الدور الرسمي للوزارة لو كان لها وجود على الساحة وليس إزجاء التهديدات. إن أغلب الأزمات الداخلية لها انعكاساتها الخارجية التي تشكو منها وزارة الخارجية وعلى رأسها من القضايا التي تحدثت عنها مؤخراً اعتقال السيد الصادق المهدي، وقضية قوات الدعم السريع، والحكم على الفتاة المرتدة، فماذا فعلت وزارة الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة في إجلاء أبعادها للمجتمع الدولي أو للإعلام المحلي؟. وكيف تنتقد الأداء الإعلامي ودورها غائب تماماً فيه؟.

ثمة قضية تتعلق بالموازنة بين الحقوق والواجبات والحرية والمسؤولية في الأداء الإعلامي، فماذا قدمت الوزارة لهذه القضية من حلول قبل أن تلجأ للوعيد والتهديد؟. وماذا فعلت تجاه حماية الحق في المعلومات وتوفيرها؟. وماذا فتحت من قنوات مع الأجهزة الإعلامية للبحث في هذه القضية وغيرها من القضايا لإحداث توافق حولها وهي بحكم تكليفها الوزاري ينبغي أن تكون لاعباً رئيسياً فيها؟. لن تستطيع الوزارة أن تلعب هذا الدور إذا انخرطت في تبني سياسة التهديد والوعيد والتلويح بالقبضة الجديدية، فذلك دور موكل لأجهزة أخرى غيرها بينما مكانها والدور الموكول لها بأبعاده السياسية والمهنية والفكرية مازال غائباً عن المشهد. إذا كانت استراتيجية الحكومة الآن هي فتح الأفق السياسي لحوار جامع لا يستثني أحداً ولا يستثني قضية فإن الوعيد والتهديد لا مكان لهما في الخطاب السياسي في هذه المرحلة، وأول من ينبغي أن يدرك ذلك هي الوزارة المسؤولة عن التواصل مع الآخرين!!.

محجوب محمد صالح 

وزارة الإعلام وحرية الصحافةhttps://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتحرية صحافةقلت في هذا الباب تعقيباً على التحذير الصادر من رئاسة الجمهورية للصحف بمراعاة الخطوط الحمراء، قلت: (لقد بدا وكأن التحذير من رئاسة الجمهورية عن تجاوز الخطوط الحمراء رغم أنه لم يحمل تهديداً مباشراً بالعودة للممارسات القديمة لكنَّ صياغته توحي بأنه يقدم المبرر لجهات أخرى لكي تقدم على العودة إلى...صحيفة اخبارية سودانية