عندما دخل عادل برعي إلى إدارة السجل المدني بأمدرمان، لإستخراج جنسية لإبنه طلبتها منه ادارة مدرسته، حدث ما بدل حياته إلى الأبد.

 أبلغ ضابط الجوازات، برعي (49 عاماً)، بقرار نزع جنسيته السودانية لأن أصوله تعود إلى مجموعة “الدينكا” الجنوبية.

وبرعي المولود في حي الضباط العريق بمدينة أمدرمان، هو أحد أحفاد البطل القومي عبد الفضيل الماظ، أبرز رموز ثورة ١٩٢٤م، المناهضة للاستعمار البريطاني في السودان. ويتحدر من أسرة مختلطة عرقياً وتعيش في هذا الحي بسلام منذ قرابة المئة عام.

بعد إبلاغه بالقرار الرسمي، تجادل عادل مع الضابط المسؤول بأنه ووالده وجميع أفراد أسرته وُلدوا في حي الضباط، رغم أصوله الجنوبية من جهة الأب.

سرقة التاريخ

فتحت مأساة نزع الجنسية والرقم الوطني القومي أبواب الحجيم في وجه “عادل”، وأصبح بين ليلة وضحاها مجرداً من أوراقه الثبوتية السودانية. “أشعر بالحزن”، يقول عادل لـ(الطريق)،”لأنهم سرقوا مني تاريخي وتاريخ أسرتي التي ساهمت في طرد المستعمر، وإستقلال السودان”.

البحث عن الهوية

لم يترك عادل برعي باباً يتوسم فيه العدل إلا وطرقه، وظل لمدة عامين يبحث عن جنسيته  وهويته التي ما زال يتمسك بها دون جدوى.

تعيش أسرة عادل منذ قرابة المئة عام بحي الضباط، بامدرمان
تعيش أسرة عادل منذ قرابة المئة عام بحي الضباط، بامدرمان

يحمل عادل شهادة ميلاد (تسنين) بتاريخ 1\1\1965م، بجانب شهادة ميلاد والدته، وشهادة جنسية والده السودانية، بالإضافة الى شهادة من اللجنة الشعبية بحي الضباط بأمدرمان تفيد بأنه يسكن بالحي منذ مولده.

حمل عادل جميع هذه الاوراق وذهب الي مجلس الوزراء. المجلس رفض البت في قضيته وأحاله إلي وزارة الداخلية، فكان ردها مخيباً لآمال عادل وأسرته، وابلغته وزارة الداخلية، بأنه “إذا كنت من ابيي كان يمكن ان تستخرج لك جنسية”.

بعدما يئس عادل من سعيه للعدل في السودان، توجه مضطراً إلى سفارة دولة جنوب السودان بالخرطوم، وشرح لهم معاناته في الحصول على جنسية. لكن السفارة، بحسب عادل، ردت عليه بأن ملامحه لا تدل على تحدره من إحدى “قبائل” الجنوب، لذا لا تستطيع منحه جنسيتها.

ومنذ اكثر من عامين، ظل عادل وشقيقاه الاثنان وأبناؤه بلا جنسية،ولا يحملون أي أوراق ثبوتية من أي دولة.

وبسبب هذه الوضعية المعقدة التي تعيشها الأسرة، فُصلوا جميعاً عن العمل، واضطروا لبيع منزلهم بحي الضباط، وانتقلوا للاقامة بأحد المساكن الإضطرارية بأطراف امدرمان.

عادل ليس وحده

تنامت حالات نزع الجنسية في السودان، في أعقاب انقسامه إلى دولتين، وشهدت مدن سودانية عديدة حالات نزع جنسية.

وخلصت (الطريق) إلى أن حالة “عادل” ليست فردية، وانما هنالك عشرات الأسر وبخاصة في مدينة أمدرمان، نُزعت الجنسية السودانية عن أفرادها.

ومن أبرز الحالات كانت أسرة ميرغني الفكي احمد باولينو الذي وُلد في  العام 1976م بمدينة ام درمان في حي بانت غرب من أب جنوبي وأم شمالية.

نزعت السلطات السودانية الجنسية عن آلاف الأسر  المتداخلة بين الجنوب والشمال
نزعت السلطات السودانية الجنسية عن آلاف الأسر المتداخلة بين الجنوب والشمال

يروي ميرغني لـ(الطريق)، قصته التي بدأت عندما ذهب لاستخراج الرقم الوطني في 16 يوليو2014م. وأثناء التحري، سأله موظف السجل المدني عن أصل تسمية باولينو الواردة في اسمه، فشرح له ميرغني قصة أسرته الموزعة بين البلدين المنقسمين حديثاً.

لكن موظف السجل المدني أحاله فوراً إلى وحدة “مباحث الوثائق” التي تحرت معه مجدداً ونزعت جنسيته وطلبت منه التوجه الى سفارة جنوب السودان لاستخراج أوراقه الثبوتية من هناك، لكن ميرغني يقول لـ(الطريق)، إنه لم يرَ الجنوب مطلقاً ولا يعرف أين أصول والده الذي لم يره منذ العام 1995م. وأضاف: “لا أعرف وطناً غير السودان”.

قرار إداري

تؤكد إدارة السجل المدني أن إجراءات “سحب الجنسية” من المواطنين الجنوبيين اتُخذت بموجب توجيه رئاسي. ويقول العقيد محمد علي عبد الجابر، بإدارة السجل المدني، لـ(الطريق)، إن “رئاسة الجمهورية وجهت بسحب الجنسية من المواطنين الجنوبيين، عدا المتحدرين من منطقة أبيي”.

ويضيف عبد الجابر أن “أي شخص والدته  من السودان ووالده من الجنوب يحق له الحصول على الجنسية السودانية، ولكن هذا لا يتم عبر مراكز السجل المدني”. وكانت هذه المراكز نزعت مئات الجنسيات من السودانيين المرتبطين بالزواج بين الشمال والجنوب. وليس عادل وميرغني سوى نموذجين يعكسان معاناة آلاف من جيل (البدون) الجديد في السودان.

ووفقاً لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدولية، فإن ما بين 50 و70 ألف شخص يتحدر من أصول جنوبية، ما زالوا مقيمين في الشمال على رغم الانفصال.

 وكان كثير من هؤلاء الجنوبيين فروا من الحرب الأهلية، وعاشوا في الشمال عقوداً أو وُلدوا فيه.

قانون الجنسية السوداني

يُعرّف قانون الجنسية السوداني لسنة 1994م، المعدل في 2011م، في المادة الرابعة منه، “السوداني بالميلاد”، بأنه “الشخص الذي وُلد في السودان أو أن يكون والده قد ولد في السودان،أو أن يكون عند سريان القانون مقيما بالسودان، وكان هو أو أصوله من جهة الأب مقيمين به منذ أول يناير سنة 1956م، أو أن يكون الشخص المولود بعد سريان هذا القانون ســــودانيا بالميلاد إذا كان والده سودانيا بالميلاد وقت ميلاده. ويكون الشخص المولود من ام سودانية بالميلاد مستحقاً للجنسية السودانية بالميلاد متى تقدم بطلب لذلك”،- وفقا لنص القانون.

جميع أفراد اسرة عادل برعي، وُلدوا في امدرمان
جميع أفراد اسرة عادل برعي، وُلدوا في امدرمان

وبحسب القانون نفسه، فإن شهادة الجنسية بالتجنس تُمنح لأي أجنبي إذا قدم طلباً بذلك، بالشكل المقرر، وأثبت لوزير الداخلية بأنه “مقيم بالسودان لمدة خمس سنوات أو أكثر”.

ويرى المحامي عمرو كمال خليل، أن نزع الجنسية من “عادل وميرغني” يعد انتهاكاً لحقهما الدستوري وعليهما أن يتقدما بتظلم للجهة التي نفذت هذا الاجراء.

ويضيف خليل في حديثه لـ(الطريق)، أن “عليهما اللجوء الى للمحكمة وتقديم طعن اداري في حال عدم الاستجابة للتظلم. واذا وجدت المحكمة أن القرار بنزع الجنسية غير قانوني، سيتم ارجاع الجنسية والاوراق الثبوتية اليهما”.

القانون الدولي ومسألة الجنسية

بحسب القوانين الدولية، فإن على الدول تفادي تحول الأفراد المقيمين على أراضيها إلى أشخاص بلا جنسية (بدون). ففي حال إلغاء جنسية المواطن عند حصوله على جنسية دولة جديدة منفصلة، فإن إلغاء الأولى لا يحدث إلا بعد الحصول على الجديدة. وكانت“هيومن رايتس ووتش” وصفت نزع الجنسية عن المتحدرين من جنوب السودان، والذين أمضوا حياتهم، أو جزءاً كبيراً منها، في الشمال، بأنه “إجراء تعسفي” وانتهاك لحقوق الانسان.

ريثما تتوصل السلطات إلى حل لقضية الجنسية، سيبقى أبناء عادل حالهم حال آلاف من جيل (البدون) الجديد في السودان، خارج مقاعد الدراسة.

تقارير  الطريق

نزع الجنسية .. السودان على موعد مع (البدون)!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/m3-300x166.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/m3-95x95.jpgالطريقتقاريرحقوق إنسان,نزع الجنسيةعندما دخل عادل برعي إلى إدارة السجل المدني بأمدرمان، لإستخراج جنسية لإبنه طلبتها منه ادارة مدرسته، حدث ما بدل حياته إلى الأبد.  أبلغ ضابط الجوازات، برعي (49 عاماً)، بقرار نزع جنسيته السودانية لأن أصوله تعود إلى مجموعة 'الدينكا' الجنوبية. وبرعي المولود في حي الضباط العريق بمدينة أمدرمان، هو أحد أحفاد البطل...صحيفة اخبارية سودانية