مثُل يوم الخميس أول أمس السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة وإمام الأنصار أمام نيابة أمن الدولة ليستجوب حول التهمة الموجهة إليه من جهاز الأمن والمخابرات بالانتقاص من هيبة الدولة، وتشويه سمعة القوات النظامية، وتهديد السلام العام، وتأليب المجتمع الدولي ضد البلاد، وذلك تحت المواد 62/66/69/159 من القانون الجنائي، وقد اتخذت القضية مجراها القانوني. من حق جهاز الأمن أن يفتح البلاغ، ومن حق السيد الصادق أن يدافع عن نفسه وفق مقتضيات حكم القانون، وبهذا تحول هذا الأمر إلى قضية قانونية تفصل فيها المحاكم تحت سيادة حكم القانون على الجميع. ولا يمكن إدارة القضية عبر أجهزة الإعلام، وأجهزة الإعلام سيكون من حقها متابعة ونشر ما يدور في التحقيقات الأولية وفي المحاكمة اللاحقة عندما تنعقد المحكمة.

التطور المثير للدهشة هو ان تنعقد محاكمة أخرى خارج هذا الإطار القانوني عبر مؤتمر صحفي يدعو له جهاز الأمن ويتحدث فيه قادة قوات الدعم السريع، وتوجّه فيه الاتهامات للسيد الصادق في غيبته في الوقت الذي اتخذ فيه جهاز الأمن القرار الصحيح باللجوء للقضاء. وكان يجدر أن تترك مرافعة قادة تلك القوات لساحة المحكمة ليتاح للمتهم مناقشتها والتعليق عليها حسب حقوقه القانونية.

لكن الاكثر إثارة للدهشة أن يعقد البرلمان ـ وهو الجهة التشريعية القانونية ـ جلسة علنية يحاكم فيها المتهم قبل أن يمثل أمام المحكمة، وأن توجّه له التهم القاسية تحت قبة البرلمان الذي ليس له وجود فيه فيُدان علانية بالخيانة العظمى والعمالة والارتزاق ومساعدة الأجنبي ضد القوات النظامية. كل الأعراف البرلمانية تحتم على النواب ألا يتهموا الأفراد ولا يرددوا ما يشين سمعتهم لسبب بسيط هو أن كل الاقوال التي يرددها النواب داخل البرلمان محمية بالقانون، ولا يجوز محاسبة النائب على أقواله داخل جلسات البرلمان لأنها تتمتع بالحصانة، كما أنه ليس من حق المواطن الذي يتعرض إلى إشانة سمعة من أي نائب خلال جلسة البرلمان أن يقاضي ذلك النائب على أقواله أمام المحاكم. ولهذا السبب سارت الأعراف على أساس أن يناقش النواب القضايا العامة دون التعرض للأفراد.

السيد الصادق المهدي بحكم هذا البلاغ متهم وهو برئ حتى تثبت إدانته ولا يمكن أن يحاكم مرتين مرة أمام المحاكم ومرة أمام الرأي العام عبر المؤتمرات الصحفية وجلسات البرلمان الذي لا تتوفر له (المتهم) وسيلة للدفاع عن نفسه ضد ما يوجهه إليه البرلمان من اتهام أو إدانة تحت قبته.

وأخشى ما أخشاه إذا بدأت النيابة التحقيق في هذه القضية أن تصدر النيابة أمراً يمنع النشر فيها خلال مرحلة التحقيق وطوال فترة المحاكمة وبالتالي تختفي حقائق القضية بينما تبقى الاتهامات التي ترددت في قبة البرلمان. هذا أسلوب لا يصيب العدالة في مطعن فحسب بل يضر بالحكومة ذاتها لأن غياب المعلومات عبر الأجهزة الرسمية لن يوقفها تسربها إلى الأسافير ومواقع الأخبار العالمية، كما أنه لن يوقف التداول الشفاهي غير المنضبط حول ما يدور فيها.

هذه قضية سياسية قانونية وكان يمكن أن تعالج عبر منابر الرأي العام كما يمكن أن تعالج عبر الجهاز القضائي بالأسلوب القانوني، وما دامت الحكومة قد اختارت اللجوء للقضاء ـ وهذا من حقها ـ فلابد من الالتزام بقواعد اللعبة وذلك بأن تكف أجهزة السلطة عن إدارة محاكمة علنية خارج أجهزة القضاء احتراماً لاستقلال القضاء وحقه في أن يكون الفيصل في هذه القضية، وأن تكتون كلمته هي عنوان الحقيقة في هذه القضية التي بدأت إجراءاتها بالأمس بمثوله أمام النيابة. ونرجو ألا تلجأ النيابة لحظر النشر فيها فهي قد أصبحت قضية رأي عام في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان.

محجوب محمد صالح 

سيادة حكم القانون في قضية الصادق المهديhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,انتهاكات الأجهزة الأمنيةمثُل يوم الخميس أول أمس السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة وإمام الأنصار أمام نيابة أمن الدولة ليستجوب حول التهمة الموجهة إليه من جهاز الأمن والمخابرات بالانتقاص من هيبة الدولة، وتشويه سمعة القوات النظامية، وتهديد السلام العام، وتأليب المجتمع الدولي ضد البلاد، وذلك تحت المواد 62/66/69/159 من القانون الجنائي،...صحيفة اخبارية سودانية