عندما فتحت الصحف ملف(الفساد) وبدأت حملة لاجتثاثه نبهت إلى أن هذه المعركة ستكون طويلة وصعبة، ذلك لأن الحصار الذي ظل مضروباً على الإعلام في السنوات الماضية خلق مناخاً مؤاتياً يضفي حماية على الممارسات الفاسدة بعيداً عن الأضواء، ولذلك يتجذَّر الفساد ويستحكم تماماً ويقاوم كل محاولات اجتثاثه، وقد تحقق ما أشرت إليه فالإعلام- وليس الفساد- هو من يقف في قفص الاتهام اليوم بسبب نشر بعض المعلومات والوثائق التي لا تشكل إلا جزءاً يسير من الجزء البارز من جبل جليد الممارسات الفاسدة.

غير أن هذه المعركة لن تتوقف وستصبح قضية رأي عام، وستتطرق إليها منتديات ولقاءات وأحاديث المجالس، ولا يمكن تجاهلها أو الالتفاف حولها، وههي بالأمس القريب كانت مطروحة في مؤتمر علمي نظمه (مركز الفدرالية للتدريب والدراسات) انعقد برعاية النائب الأول لرئيس الجمهورية مما يضفي عليه صفة رسمية، وقد كان في مقدمة توصيات ذلك المؤتمر(التأكيد على الشفافية وممارستها فعلاً لا قولاً)، والدولة مطالبة على الأقل بالالتزام بتوصيات مؤتمر رعته بنفسها.

لقد نادت توصيات المؤتمر بإنشاء نيابة خاصة، وقضاء إداري مستقل، وقانون خاص بالجرائم الاقتصادية، وتشديد العقوبة في قضايا الفساد، وتسهيل الإجراءات الإدارية والقضائية في قضايا مؤسسات الدولة لاكتشاف أوجه الخلل في الممارسات المالية والاقتصادية داخل تلك المؤسسات.

لقد غطت توصيات ذلك المؤتمر العديد من الأمور المتعلقة بمنهج محاربة الفساد، وتطرق المشاركون إلى دور الإعلام حيث أوصى المؤتمر برفع الرقابة عن الإعلام حتى يؤدي دوره في ملاحقة وكشف الممارسات الفسادة على أن تشدد العقوبة على كل من يتهم شخصاً أو جهة ما دون أن يقدم الدليل الذي يستند عليه في توجيه مثل ذلك الاتهام، وهذه معادلة يقبلها الإعلام وظل يطالب بالالتزام بها.

إذا كانت الحكومة جادة في مكافحة الفساد، وقادرة على مواجهة كل الجهات التي تمارسه فقد وضع لها هذا المؤتمر خطوطاً عريضة لعمل منهجي متكامل لخلق بنية قانونية جيدة بإصدار قوانين جديدة لمحاربة الفساد مسترشدة بالتراث الدولي في هذا الصدد، وخلق آليات مستقلة ومحايدة وغير خاضعة لضغوط الجهاز التنفيذي لتتولى ملاحقة قضايا الفساد وتقديمها لمحاكم عادلة، ورفع الحصار عن الإعلام ليؤدي دوره في هذا المجال ملتزماً بألا يتهم أحداً بالباطل، وأن يقدم كل الأدلة التي تثبت وتؤيد ما ينشره دون أن يُسأل عن المصدر الذي وفر له الوثائق ما دامت تلك الوثائق صحيحة.

المطلوب محاصرة الفساد وليس محاصرة الإعلام حتى ينطلق الإعلام ليؤدي دوره، وعلى كل جهاز إعلامي أن يتحمل مسؤوليته القانونية كاملة إذا ما اتهم الآخرين بالباطل وفقاً لسيادة حكم القوانين لا القرارات الإدارية أو التنفيذية، والتأكيد على إعمال مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

الفساد ليس ظاهرة محلية فهو ظاهرة تقع في كل دول العالم بدرجات متفاوته مما أثار قلق المجتمع الدولي الذي توصل عبر الأمم المتحدة إلى اتفاقية دولية لمكافحته، وإلى قوانين نموذجية لمحاصرته، وإلى آليات تنفيذية نزيهة وحرة ومحايدة تتولى التحقيق في قضايا الفساد وكشفها وتقديمها لمحاكم مستقلة ومقتدرة، وليس من الصعب خلق كل هذه المؤسسات والقوانين عندنا إذا كانت هناك جدية في محاربة الفساد.

محجوب محمد صالح 

المطلوب محاصرة الفساد لا محاصرة الإعلام https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادعندما فتحت الصحف ملف(الفساد) وبدأت حملة لاجتثاثه نبهت إلى أن هذه المعركة ستكون طويلة وصعبة، ذلك لأن الحصار الذي ظل مضروباً على الإعلام في السنوات الماضية خلق مناخاً مؤاتياً يضفي حماية على الممارسات الفاسدة بعيداً عن الأضواء، ولذلك يتجذَّر الفساد ويستحكم تماماً ويقاوم كل محاولات اجتثاثه، وقد تحقق ما...صحيفة اخبارية سودانية