الهزائم التي منى بها الجيش الشعبي في اعالي النيل الكبري والتقدم الذي مازالت تحققه قوات ريك مشار والمجزرة البشعة التي ارتكبتها تلك القوات في مدينة بانتيو بدات كما توقعنا تقود إلى سلسلة من ردود الافعال على كافة الجبهات الداخلية والاقليمية والدولية.

حكومة الجنوب تحركت بالامس وفاجأ الفريق سلفاكير الجميع امس بقرارين يبدو من الوهلة الاولى انهما متناقضان تماماً فالقرار الاول يبدو كما انه صمم ليصعد وتيرة الحرب وزيادة حدة الاستقطاب القبلي بينما يبدو الثاني وكأنه دعوة إلى مصالحة وطنية وتسوية سياسية وإعادة للسلام!!

القرار الاول يبدو انه قد صدر كرد فعل غاضب على الخسائر التي مني بها الجيش الشعبي في ميادين القتال إذ شمل اعفاء رئيس هيئة اركان الجيش الشعبي الجنرال هوث وكل مساعديه وتعيين قيادة جديدة للجيش وتحميلها مسئولية تصعيد القتال لاسترداد المواقع التي فقدوها.

القرار الثاني الذي جاء مفاجئاً هو قرار رئيس الجمهورية بسحب قضية الانقلاب المزعوم من المحكمة وابلاغها ان الحكومة لا تود مواصلة القضية وتسحب اتهامها وكان المقرر نتيجة لسحب القضايا ان تكون السلطات قد اطلقت امين عام الحركة الشعبية باقان اموم ورفقائه الثلاثة المحبوسين على ذمة القضية ويطال القرار ايضا- السبعة الذين اطلق سراحهم سابقاً بضمانة كينية إذ سحب الاتهام عنهم ايضاً –وقد يقراً المراقبون في هذا القرار اتجاها نحو المصالحة السياسية . وسيكون لكلا القرارين تداعياته إذ ان رئيس هيئة الاركان الذي تم إعفاؤه له تحت هذه الظروف (رمزية) سيفقدها سلفاكير بأعفائه –فالرجل ينتمي لقبيلة النوير التي تقود تمرد ريك مشار وهو قد خالف قبيلته وانحاز لشرعية سلفاكير وظل سلفاكير يحاول اقناع المجتمع الدولي ان صراع الجنوب صراع سياسي وليس صراعاً قبلياً بين الدينكا والنوير بدليل ان قائد جيش الحكومة الذي يدير الحرب ضد التمرد ينتمي لقبيلة النوير ولكن بإتخاذه قرار الابعاد اسقط سلفاكير هذه الحجة وزاد الأمر إستقطاباً بأختيار خلف للجنرال هوث ليس فقط من قبيلة الدينكا بل من عشيرة سلفاكير – وبهذا اصبح الاصطفاف القبلي اكثر رسوخاً.

وعلى العكس من ذلك فأن القرار الثاني يحمل مسحة (مصالحة) وتنازل من حكومة الجنوب إذ ظل سلفاكير يقاوم بشدة محاولات إطلاق سراح كافة المعتقلين والحاقهم بالمفاوضات الجارية في اديس ابابا –وفي الواقع ان المعارضة ضد سلفاكير لم تكن موحدة والخلافات بين مجموعة باقان ومجموعة مشار اشد واعمق من الخلافات مع سلفاكير ولكنه هو الذي وحدهما عندما اتهمهما معها بتدبير انقلاب ضده وهي تهمة لم تكن قط مقنعة –ولذلك يبدو ان الغرض من قرار سحب القضية هو محاولة لتقسيم المعارضة إذ ان مجموعة باقان تقف ضد الصراع العسكري وتدعو لحل سياسي عبر اقتسام للسلطة اكثر عدالة وإذا كان قد قدر لمجلس تحرير الحركة ان ينعقد لإختيار رئيس جديد للحركة فان المنافسة كانت ستكون ثلاثية – سلفاكير/باقان/مشار وفي مفاوضات اديس اتخذ ممثلو معسكر باقان موقفاً مختلفاً وادانوا الصراع العسكري وطالبوا بالحل السياسي وسيتكرر هذا خلال جبهات التفاوض القادمة وإذا ما قدر لسلفاكير ان يقدم تنازلات محسوسة لهذا المعسكر فلربما استطاع ان يوحد الحركة في مواجهة ريك مشار وبذلك يعود المشهد السياسي الجنوبي لحاله في تسعينيات القرن الماضي عندما كان الصراع المسلح يدور بين الجيش الشعبي وحركة إستقلال جنوب السودان بقيادة رياك مشار – الفرق الوحيد ان مشار كان متاحاً له في تسعينيات القرن الماضي ان يتحالف مع جيش السودان – وهذا خيار غير متاح الآن!!

المجتمع الدولي والمجتمع الاقليمي يبدو الآن اكثر تصميماً على إنهاء حرب الجنوب لكن هذا الصراع بابعاده القبلية ليس مرشحاً لأن يحسم بالسرعة التي يتوقعها الوسطاء – قد تتوقف المعارك لكن الصراع سيأخذ اشكالاً جديدة!

محجوب محمد صالح 

صراع جنوب السودان : الصورة مرتبكة !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتجنوب السودانالهزائم التي منى بها الجيش الشعبي في اعالي النيل الكبري والتقدم الذي مازالت تحققه قوات ريك مشار والمجزرة البشعة التي ارتكبتها تلك القوات في مدينة بانتيو بدات كما توقعنا تقود إلى سلسلة من ردود الافعال على كافة الجبهات الداخلية والاقليمية والدولية. حكومة الجنوب تحركت بالامس وفاجأ الفريق سلفاكير الجميع امس...صحيفة اخبارية سودانية