امضيت بضعة ايام في العاصمة القطرية الدوحة في زيارة خاصة التقيت خلالها بعدد مقدر من السودانيين العاملين في شتى المجالات هناك وفي مقدمتهم الاعلاميون الذين يعملون بكفاءة واقتدار في مختلف الوسائط الاعلامية، وفي قطر جالية سودانية فاعلة ومقتدرة حسب الارقام المتاحة تحتل المكان الثاني من المغتربين من الدول العربية وتأتي بعد مصر مباشرة اذ يبلغ التعداد غير الرسمي للسودانيين في قطر قرابة الخمسين ألفا ويعملون في شتى المجالات وفي مختلف التخصصات وبعضهم يحتل مواقع تخصصية رفيعة خاصة في المهن الطبية.

والمغتربون هنا وفي سائر الاقطار التي هاجروا اليها يمثلون ثروة قومية فهم لا يدعمون الاقتصاد السوداني بما يرفدونه من تحويلات لاسرهم الممتدة فحسب بل باكتسابهم قدرات ومهارات جيدة ولكن من أسف فإن الحكومة لا تنظر اليهم الا كبقرة حلوب فتثقل كاهلهم بالجبايات وتتفنن في ابتكار الضرائب والزكوات التي تفرضها عليهم وتبالغ في ذلك كلما واجهت جبايات جديدة تريد ان تفرضها عليهم فهي لا ترى فيهم الا مصدرا سهلا للجباية ولا تحس تجاههم بأي التزام اخر وحتى يجد مبررا للجبايات المستحدثة هذا العام وسعى عبر لقاء مع وزير المالية مؤخرا لالغاء هذه الزيادات!

لو كانت الحكومة تمتلك رؤية مستقبلية ثاقبة لنظرت لهؤلاء المغتربين نظرة مختلفة وتعاملت معهم باسلوب افضل واكثر جدوى للاقتصاد السوداني فمجرد تحويل اموال لأسرهم يوفر للبلاد من العملات الاجنبية ما تحتاج اليه وحتى لو وصلت تلك التحويلات خارج الاطار المصرفي فان العملات الاجنبية الواردة سيكون لها اثرها على اسعار النقد الاجنبي لان زيادة المعروض منه سيخفض سعر العملات الاجنبية في السوق الموازي ويسهم في تجسير الهوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق الموازي التي تبلغ الان اكثر من خمسين في المائة.

لكن الأهم من ذلك هو انتهاج سياسة تشجيع الاغتراب المرشد خلال الأزمة الاقتصادية الحالية وانتشار العطالة في السودان خاصة وسط الشباب وذلك بأن تدرس سوق العمالة في دول الجوار التي تعاني من نقص في الايدي العاملة وخاصة دول الخليج، فدول الخليج ستحتاج خلال السنوات القادمة الى مئات الآلاف من العاملين في شتى المجالات اذ ان دولة قطر، مثلا، تنتظمها الآن حركة عمرانية ضخمة استعدادا لاستضافة كاس العالم 2022، وامارة دبي تقوم بجهود مماثلة استعدادا لاستضافة المعرض التجاري الدولي (اكسبو) عام 2020م، وكلاهما سيستقبل خلال السنوات الخمسة القادمة مئات الآلاف من العاملين في شتى المجالات والسودان مؤهل لان يكون احد الدول التي توفر العمالة المطلوبة ولو كانت لديه وزارة للقوى العاملة تفكر تفكيرا عمليا وفق رؤية مدروسة لأقبلت على ابتداء برامج تدريب مكثفة خلال الشهور القليلة القادمة لتوفر عمالة ذات خبرة لملء بعض تلك الوظائف ولدخلت في تفاوضات وتوصلت لإتفاقات ثنائية بشأن العمالة في تلك الدول ولرفدت الاقتصاد السوداني بمصادر دخل حقيقية واسهمت في علاج البطالة في اوساط الشباب، لكن المسؤولين عندنا لا ينظرون ابعد من مواطئ اقدامهم ولا يتمتعون بقدرات ابداعية ولا رؤية مستقبلية، بل هم لم يفكروا حتى في انشاء ملحقيات عمالية في تلك الدول تعالج مشاكل العمالة السودانية في دول الجوار او تدرس سوق العمل في تلك الدول وتعرف تحديدا احتياجاته وشروطه وطرق التعامل معه.

وسيظل المسؤولون عندنا ينظرون تحت اقدامهم الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا!!

محجوب محمد صالح

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?fit=300%2C148&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتاقتصادامضيت بضعة ايام في العاصمة القطرية الدوحة في زيارة خاصة التقيت خلالها بعدد مقدر من السودانيين العاملين في شتى المجالات هناك وفي مقدمتهم الاعلاميون الذين يعملون بكفاءة واقتدار في مختلف الوسائط الاعلامية، وفي قطر جالية سودانية فاعلة ومقتدرة حسب الارقام المتاحة تحتل المكان الثاني من المغتربين من الدول العربية...صحيفة اخبارية سودانية