د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  ذهنيا، يعبر الناس عن همومهم وتصوراتهم وطموحاتهم بالمفاهيم، والتي تظل موحدة في المعنى والمحتوى، وإن إختلفت إشاراتها الرمزية في اللغة. وفعليا، دائما ما تتجسد هذه المفاهيم في أشكال ملموسة يحددها الواقع الملموس. فمثلا، أصبح هم العيش اليومي هو القضية المشتركة والموحدة، ذهنيا، التي تشغل بال الناس في السودان. لكن، هل يتساوى هم الذي يحلم بقطعة خبز أو قدح عصيدة مع هم الذي يحلم بوجبة تبتدئ بفاتحات الشهية ثم الطبق الرئيسي المزين بقطع اللحم والسمك، وتنتهي بالتحلية، وكل ذلك في ردهة مطعم تصدح فيه موسيقى عطرة لا تدري من أين تأتيك؟. وإذا كانت الصورة الذهنية للحرب هي البشاعة المرفوضة، والتي تهيج جروح الروح ومعاناتها بين شعب يفخر محدثوا تاريخه بأنه الشعب الذي يعشق التسامح وعاشه لأكثر من مئة عام، لكنه قضى، ولا يزال، معظم سنوات عمر إستقلاله ال 59، في حرب أهلية ضروس…، فهل يستوي هم الذي يكتوي بنار الحرب يوميا، وبالملموس، في جسمه وبيته وأهله وحلمه، مع هم البعيد عن موقع النيران، والذي تظل الحرب عنده مجرد صورة ذهنية ينفعل معها ضميره عبر مشاهداته لفداحتها في شاشات الإعلام التي، في الغالب، لا تعكس إلا أنصاف الحقائق؟؟ قطعا لا… ولكن ما بين الهامشي الموجوع بخراب حياته أو عبثيتها بسبب الحرب، وبين قاطن المركز الذى يشكو التردي العام ويحمل الحرب جزءا من مسؤلية تردي حياته، ترتسم عشرات التفريعات الصغيرة والمتعرجة، والتي تحدث تقاطعات رئيسية تدفع بقراءات مختلفة ومتعددة بتعدد أشكال تجلي الهم الواحد. فلنستعير معا، ولكن بتصرف، شرح الفيلسوف الفرنسي بيار بورديو (1930- 2002) لرسمه البياني الشهير في كتابه “أسباب عملية” (1998)، والذي حاول من خلاله توضيح العلاقة بين مسافة المواقع الإجتماعية ومسافة أساليب العيش لقراءة الموقف من إنتخاب اليمين أو اليسار، وذلك في سياق شرحه لأطروحته حول المجال الإجتماعي والمجال الرمزي. في رسمه البياني يضع بورديو رأس المال الكلي في الإحداثية الرأسية، ورأس المال الثقافي في الإحداثية الأفقية. فإذا قمنا بإستبدال رأس المال الكلي بالموقف من الحرب، ورأس المال الثقافي بالتمسك بالسودان كوطن، واستبدلنا المواقع الاجتماعية وأساليب العيش بالمناطق المتضررة من الحرب وموقعها من المركز، ستكون لدينا خريطة واضحة لمشهد الأزمة الذى نعيشه اليوم فى وطن إنشطر لتوه الى جسدين:

أولا، كلما ابتعدنا عن المركز كلما  اقتربنا من المواجع..، مناطق القتال التي تمتد على شكل هلال دام، يشتعل بفعل حرب لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ، وتتاخمه مناطق قلقة هلوعة، تبدو وكأنها فرت من قسورة. أما المركز، فهو يغلي كمرجل أم الأطفال الجياع فى عهد غاب عنه عدل الخليفة عمر بن الخطاب، كما يحدثنا رواة السيرة. وأخبار الحرب المصورة والمنقولة عبر أجهزة الإعلام وبيانات الرواة، ليست كمعايشة الحرب ومشاهدتها فعليا. فخبر مثل اشتبكت القوات المسلحة مع فلول المتمردين فى منطقة كذا…، لا يحدث نفس الاثر لمشهد القرى المحروقة، وصرخات الأطفال والنساء وهم يحشرون حشرا فى حفر وكهوف صممت بفعل الحاجة للاحتماء من القصف الجوي. وهكذا، وعلى عكس ما توقعت مناطق الهلال الدامي، لم تنفعل الخرطوم إنفعالا يتطابق مع درجة القسوة والبشاعة التي تحكم وتسيطر على مناطق الحرب. نقول هذا دون أي تقليل من صرخات النشطاء القوية ضد الحرب، ولكنها ظلت مجرد صرخات ووقفات، دون أن تحقق فعلا رادعا.

ثانيا، اذا انتقلنا من مشهد الحرب الفعلي إلى إنعكاساته، سيبتدئ الجدل من اختيار اللغة وحيرتها بين مفردات من نوع: فلول، قوى منظمة، قوات دعم، عصابات، مجموعات نهب، متمردين، ثوار…الخ، ولن ينتهي فى مفردات حل سياسي (مفاوضات، انتفاضة شعبية) أم حل عسكري. سيحتدم الجدل ويتسمر، دون أن يلتفت إلى مناطق الحرب التي تكتوي بالنيران المشتعلة. وفي ذات الوقت، تفتقد مناطق الحرب هذه أيادي الشعب في الخرطوم. نتوقف هنا لنعبر عن دعمنا غير المحدود لمبادرة مجموعة “السائحون” حول تبادل إطلاق سراح الأسرى بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان/الشمال، ونعتقد أنها خطوة شجاعة من الجانبين، السائحون والحركة، في الإتجاه الصحيح. وكنا في مقال سابق قد تناولنا هذا الحدث وأشرنا فيه إلى أن خطوة مجموعة “السائحون”، تؤكد أن ما يفتح بوابات الخروج من أزمة الوطن، ويصنع التقدم هو تلاقي الأضداد، هو فعلا تجذير المراجعات وإعادة النظر في القناعات التي تفترض إضمحلال الآخر.

من زاوية أخرى، وبالرجوع تخيلا إلى تصرفنا في رسم بورديو البياني، سنقرأ كيف أن من ينفذ فعليا عملية الحرب ويدير آلتها، هم القوات الحكومية والقوات المسلحة المعارضة (قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان/الشمال وقوات الحركات الدارفورية). أما المواطنين في مناطق الحرب، فيعيشون تنازعا مفهوما ومبررا، بين الميل الطبيعي لرفض الحرب والإقتتال، وبين ميلهم الآخر المدفوع بغريزة أقوى هي غريزة البقاء والحياة. لذلك، هم لا يعيشون ترف الإختيار، بل كتب عليهم خوض الحرب طوعا أو كرها، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن الإكراه ليس بالضرورة من فعل البشر. أما بالنسبة لتلك الأفكار من نوع التمسك بوحدة السودان، والروح الوطنية…، فكلها أفكار تبدو في إتون الحرب غير مهمة فى حد ذاتها، وغير ذات معنى، وربما تكتسب الأهمية والمعنى بعد إنتهاء المعركة. وإذا عرجنا إل المناطق المتآخمة لمناطق الحرب وهلالها الدامي، فسنلحظ التأرجح البيّن والتذبذب الواضح تجاه تأييد أو رفض الحرب، كما سنلحظ أيضا دوامة الإستقطاب الحاد للوقوف في صف النظام أو صف المعارضة المسلحة. أما فكرة، أو أطروحة، الحفاظ على السودان الواحد المتوحد، فسنجد أن سكان المناطق المتاخمة يستشعرون صعوبة تبنيها المطلق، رغم أنهم يتمسكون بها، دون أدنى شك. وإذا أبتعدنا عن أتون الحرب وتوجهنا إلى المناطق الآمنة، بمعنى المناطق البعيدة عن ميادين المعارك والإقتتال، كالخرطوم مثلا، أو المركز بصورة عامة، فسنجدها، قطعا، ضد الحرب وتتمسك بفكرة السودان الموحد، بل وتدعو لاسقاط النظام الذى يؤجج الحرب، وينتهجها تاكتيكا لبقائه في كراسي الحكم وتشبثه بها. وهذه الصورة، ورغم وضوحها بدرجة كبيرة في الاذهان، إلا أنها لم تشكل علة لإحداث فعل ملموس يهزم دعاة الحرب ويوقفهم عند حدهم، ويكشف للآخرين قصورهم الذي لن يؤدي إلا إلى دمار البلد وخرابها.

وإذا رجعنا إلى التفريعات الصغيرة والمتعرجة، التي أشرنا إليها في صدر هذا المقال،  والتي تحدث تقاطعات رئيسية تدفع بقراءات مختلفة ومتعددة للمشهد السياسي بحسب تعدد أشكال تجلي الهم الواحد، فستواجهنا صعوبة رسم المشهد بخلفية ثابتة ومحددة، مثلما ستواجهنا صعوبة إنزال الستار بين الفصل الأول والفصل الثاني. وفي الغالب سنجد انفسنا متورطين فى دهاليز قضية، لا تفضي الى مخارج واضحة المعالم، وسيظل التحدي الرئيس الذي يواجهنا، ويواجه الناشطيين جميعهم، هو ألا نعلق في أي من هذه الدهاليز، بل نجتهد في أن نستبين طريقنا إلى المخارج، والذي يبدأ برفض الحرب، وتحويل هذا الرفض إلى فعل ملموس، يخاطب الجميع، في المركز والأطراف، فعل يحمل في ثناياه أسس علاج أسباب الحرب وأسس منع تجددها، فعل عنوانه وجوهره إعادة بناء الدولة الوطنية في السودان.

د. الشفيع خضر سعيد

معاناة الروح في المركز والهامشhttps://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالسلام  ذهنيا، يعبر الناس عن همومهم وتصوراتهم وطموحاتهم بالمفاهيم، والتي تظل موحدة في المعنى والمحتوى، وإن إختلفت إشاراتها الرمزية في اللغة. وفعليا، دائما ما تتجسد هذه المفاهيم في أشكال ملموسة يحددها الواقع الملموس. فمثلا، أصبح هم العيش اليومي هو القضية المشتركة والموحدة، ذهنيا، التي تشغل بال الناس في السودان....صحيفة اخبارية سودانية