التمرد ورفع السلاح في وجه الدولة ليس هو بالمرض الذي يصيب الدول فجأة انما هو عرض لمرض له جذوره واسبابه ولن يختفي بالمسكنات ولن يزول عندما ينصرف سلاح التمرد من الساحة انما يزول عندما تعالج اسباب الصراع الجذرية وقد عانينا من هذا الداء منذ فجر استقلالنا وفشلنا في تبني مشروع(بناء الامة) باختلاف مكوناتها ولم نراعي ابعاد تنوعها العرقي والاقتصادي والثقافي وانتهجنا نهجا سياسيا يتجاهل القضايا الاساسية وينحاز الى جزء على حساب الكل وما لم يتغير هذا النهج بسياسات راشدة تعترف بالتنوع وتحترمه وتتبنى سياسات تقوم على العدل والانصاف والمساواة والمشاركة الفاعلة فإن الازمة ستظل تتكرر وتعيد انتاج نفسها بصورة راتبة الى ان تؤدي الى انهيار الدولة او تشظيها الى دويلات ضعيفة ومأزومة.

نادرا ما ينجح التمرد المسلح في هزيمة القوة العسكرية للدولة فالدولة امكاناتها اكبر وقدراتها العسكرية اقوى ولكن وبنفس القدر فإن القوة العسكرية للدولة مهما كانت نجاعتها وامكاناتها فهي لا تستطيع ان تسجل انتصارا نهائيا فهي قد تكسب المعارك لكنها بالقطع لا تكسب الحرب وقد دفعنا ثمنا غاليا لكي نصل الى هذه الحقيقة وسنرتكب خطأ جسيما اذا ما جربنا المجرب واعتقدنا اننا يمكن ان نحل قضية ذات ابعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وسياسية عبر البندقية وعبر قوة نيران مدفعية الدولة.

عشرات المعارك التي خاضتها الدولة السودانية في حرب عصابات ضد جماعات مسلحة وسجلنا فيها انتصارات باهرة في معارك محددة ولكنها لم تكسب الحرب ضد التمرد ولم توقف حرب العصابات التي قد يضعف اوارها لحين ان تتجدد مرة ثانية فتكون اكثر شراسة ومأساوية نحن الآن نشهد انتصارات كبيرة تحققها القوات النظامية في شتى الميادين وهو مشهد قد عشناه في حرب الجنوب فكثيرا ما حققت الدولة انتصارات باهرة في الميدان العسكري وخسرت قوى التمرد في ركن ضيق واطمأنت الدولة لحسمها المتمردين ثم فوجئت لانبثاق حركة جديدة اكثر تنظيما وفعالية من سابقتها وتحقق ذلك في دارفور نفسها حين تم القضاء على حركة بولاد وما لبثت الحرب ان اندلعت من جديد!

الانتصار في ميدان المعركة الداخلية في بلد ما ربما كان هو الوقت المناسب للعلاج السلمي والدخول في حوار وتبني منهج يسعى لمعالجة جذور المشكلة وهذا هو المحك للحكم الراشد الذي يدرك انه لن ينجح في حل الأزمة السياسية عبر البندقية ولكن يمكن ان يستثمر النجاح العسكري المؤقت لكي يستعد لمعالجة جذور المشكلة دون ان يعتبر ان التقدم العسكري قد حل الاشكاليات وعلى العكس من ذلك فإن احتدام المعارك العسكرية يخلق المزيد من المرارات والضغائن بحكم الاذى الذي لحق بالمدنيين وبالمرافق العامة من جراء تلك المعارك وتصبح الحاجة ماسة لازالة آثار المعارك اولا اضافة لمعالجة جذور المشكلة وبالتالي فان اي انتصارات عسكرية تضيف للتحديات القائمة اصلا وهذا الاثر التراكمي للمظالم الحقيقية او المتوهمة هو الذي اسهم في خلق المناخ المناسب لانفصال الجنوب ولابد من ان نتعلم من ذلك الدرس القاسي فلا نكرر نفس السيناريو.

ان مشروع بناء الامة تحت مثل هذه الظروف هو من التحديات الكبرى واذا كنا قد فشلنا حتى الآن في ابتدار الخطوة الأولى لانجاز هذا المشروع التأسيسي فان اي خطأ في قراءة الواقع الحالي واي سياسات تنبني على الحل العسكري ستكون نتائجها كارثية بالنسبة للوحدة الوطنية او بناء الامة ووحدة اراضي الدولة.

محجوب محمد صالح

حتى لا نقرأ الواقع قراءة خاطئة!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-196x300.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءالأزمة السياسية في السودانالتمرد ورفع السلاح في وجه الدولة ليس هو بالمرض الذي يصيب الدول فجأة انما هو عرض لمرض له جذوره واسبابه ولن يختفي بالمسكنات ولن يزول عندما ينصرف سلاح التمرد من الساحة انما يزول عندما تعالج اسباب الصراع الجذرية وقد عانينا من هذا الداء منذ فجر استقلالنا وفشلنا في تبني...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية