عادت أجواء الحرب تهيمن على الوضع في جنوب كردفان وتهدد بالعودة إلى النيل الأزرق، وذلك في أعقاب فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات التي انعقدت في أديس ابابا، ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب إذ ان كلا الطرفين ذهب إلى هذه الجولة وهو متمترس في موقفه السابق الذي أجهض محاولات التفاوض السابقة؛ وما دام الطرفان متمسكين بمواقفهما دون تغيير كان من الطبيعي أن تفشل الجولة.

تبادل الطرفان الاتهامات حول مسؤولية فشل المفاوضات، كما تبادلا التهديدات بالحسم العسكري، وانتقل التهديد إلى مرحلة قصف مدينة كادوقلي كرد من قطاع الشمال على تهديدات الحكومة بمواصلة هجماتها العسكرية؛ ولذلك فإن هذه الجولة بدلاً من أن تسهم في البحث عن حلول لهذه الأزمة أدت إلى نتيجة عكسية تماماً بتأجيج نيران المواجهات العسكرية.

وقد لا يكون من المجدي الانخراط في جولة مفاوضات أخرى دون القيام بعمل تحضيري عبر الاتصالات الثنائية من الوساطة وطرفي الصراع بغية الانتقال بالطرفين إلى مرحلة جديدة تتجاوز المواقف التفاوضية المتصلبة السابقة، إذ وضح أن فشل جولات التفاوض سيؤدي غلى استئناف المعارك التي يضار منها المدنيون ويزيد من حالة التوتر التي ظلت تعيشها ولاية جنوب كردفان على مدى عامين وأدت إلى كوارث إنسانية، وحالات نزوح ولجوء، وموقف إنساني متدهور، ونقص في المواد الغذائية.

هذا الواقع وحده يفترض أن يكون دافعاً لطرفي الصراع لإعادة النظر في مواقفهما المتصلبة وإعطاء مصالح الناس في هذه الولاية الأولوية في تفكيرهم، ولابد من دراسة موقف الطرفين وحصر القضايا الخلافية التي تؤدي إلى إجهاض التفاوض بسبب تمسك كل طرف بموقفه تجاهها، خاصة وان هناك خريطة طريق اقترحها الاتحاد الإفريقي واعتمدها مجلس المن ووافق عليها الطرفان وقبلا التفاوض على أساسها لكنهما اختلفا في تفسيرها وفي القضايا المثارة في تلك القرارات.

لعل نقطة الخلاف الأساسية تتركز حول ما إذا كانت هذه المفاوضات ستركز فقط على مطالب الولايتين أم إنها ستعالج أمر الولايتين كجزء من تسوية شاملة للأزمة السودانية في كلياتها، والذي يثير الدهشة أن كلا الطرفين الآن يتحدث عن ضرورة حل أزمة السودان حلا شاملا، وهذا مضمون خطاب رئيس الجمهورية الأخير والحديث المتكرر من المؤتمر الوطني عن الحوار الشامل الذي لا يستثني أحداً ولا يستبعد قضية- وهذا تطور جديد في خطاب هذا الحزب الذي كان يتبنى مفهوم تجزئة القضايا والبحث عن حل لكل مشكلة بمعزل عن باقي المشكلات، بل ويفضل ثنائية الحل لينفرد بالحوار مع جهة واحدة أو حزب واحد. فإذا كان المؤتمر الوطني قد غير استراتيجيته حقيقة وبات يؤمن بالحل الشامل لماذا يرفض ذلك بالنسبة لقضية الولايتين وبالنسبة لقطاع الشمال الذي يطالب بالحل الشامل؟ ألا يدرك أنه في إطار هذا الحل الشامل تظل لهاتين الولايتين خصوصيتهما التي تحتاج إلى مفاوضات على ضوء ما قررته لهما اتفاقية وبروتوكولات نيفاشا وما استجد من واقع بعد ذلك؟.

إذن الحل الشامل ليس محل خلاف، والمعالجة لخصوصية أوضاع الولايتين ليست محل خلاف، فكيف يمكن التزاوج بينهما في عملية الحوار المطلوبة؟ وكيف يمكن أن تبحث قضية الولايتين في إطار الحل الشامل ؟ هذا هو السؤال الذي يتطلب أن تسعى الوساطة الإفريقية للوصول إلى إجابة عنه بحيث تطرح على الطرفين مشروعاً يزاوج بين الحل الشامل لأزمة السودان الذي يستصحب خصوصية الولايتين ـ وهو أمر يحتاج إلى جهد خلاق ينبغي أن تتصدى له الوساطة قبل ان تدعو إلى أى جولة جديدة ـ ويجب أن يتم ذلك بتشاور كامل مع كافة القوى السياسية السودانية وخاصة قوة المعارضة، ولو نجحت في ذلك لقدمت إسهاماً مقدراً في مفهوم الحوار الجامع !!. الوساطة الإفريقية مطالبة بأن تنفتح على كل القوى السياسية وتتشاور معها بدلاً من أن تنغلق في إطار طرفي التفاوض، وعليها أن تخرج بنشاطها إلى الهواء الطلق!!.

محجوب محمد صالح

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?fit=300%2C148&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,السلامعادت أجواء الحرب تهيمن على الوضع في جنوب كردفان وتهدد بالعودة إلى النيل الأزرق، وذلك في أعقاب فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات التي انعقدت في أديس ابابا، ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب إذ ان كلا الطرفين ذهب إلى هذه الجولة وهو متمترس في موقفه السابق الذي أجهض محاولات التفاوض...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية