حكاية (التحلل) من حرمة المال المسروق قضية تثير من الأسئلة والتعليقات المستهجنة أكثر مما يستثيره استحسان المال المنهوب، ذلك لأنها تقضي على ركن هام من أركان العدالة هو ركن المساواة أمام القانون، كما أنها تجافي مبدأ الردع للجريمة وتغري بالمزيد من الممارسات الفاسدة تجاه المال العام، وهذا الخلل القانوني ينبغي إصلاحه عاجلا لأن القانون الحالي يؤسس لممارسة تغري بالمزيد من الفساد.

في التجارب العالمية حالات يتم فيها تخفيف العقوبة، وحالات أكثر ندرة يتم فيها إسقاطها، وفي كلتا الحالتين هناك ضوابط، وهي ليست سلطة تقديرية لفرد أو هيئة صغيرة إنما تحكمها قواعد وأسس معروفة ومرعية.

أحياناً يقتنع المحققون بأن تحويل أحد المتهمين إلى (شاهد ملك) سيوفر لهم شهادة ومعلومات وأدلة هامة جداً لإنفاذ العدالة  فشلوا في الحصول عليها عن أي طريق آخر، وعندما يحدث ذلك ويرى المحققون أن يعرضوا على  متهم إعفاءه من المحاكمة مقابل تعاونه بتقديم شهادة ضد باقي المتهمين معه فإن مثل هذا الغرض له شروط ومسببات مقنعة تُعرض على المحكمة لتوافق عليها قبل الاتفاق، وإذا لم توافق المحكمة لا ينشأ الاتفاق.

وهناك حالات يمكن أن تتم فيها صفقة بين المحققين والمتهم فيعترف بجريمة أخفَّ عقوبة مقابل توفيره لمعلومات تفيد المحققين في القضية فلا ينجو من العقاب لكنه يعاقب عقاباً أخف. أما مسألة أن يعيد المال المسروق مقابل إعفائه من المحاسبة فلم نعرف لها مثيلاً، ولا ندعي معرفة بكل السوابق وربما كانت تحدث بصورة نادرة ولكنها في ظل ظروفنا الحالية ورغبتنا في اجتثاث فساد قد استشرى فإنها تصبح ممارسة ذات مرود سلبي يسهم في انتشار الفساد لا مكافحته.

وعلى ذكر مسألة محاصرة حالات الفساد فقد قرأت في المواقع الإلكترونية مقالاً قصيراً للمحامي الضليع الأستاذ نبيل أديب حول ضرورة الالتزام بمبدأ الشفافية وسنْ القوانين التي تفرض الشفافية في العمل العام فرضاً لا يُسمح بتجاوزه. يقول الأستاذ نبيل في مقاله:-

(قضية الأقطان لم يتم تناولها بالشكل الصحيح فامتلأت الدنيا صياحاً حول صحة قرار التحكيم وأتعاب المحكمين، وهي مسائل تستطيع القوانين السائدة معالجتها إذا كان بها خطأ، ولكن لم يعلم أحد كيف كانت تدار شركة الأقطان. شركة الأقطان هي شركة مسجلة كشركة خاصة، ولكن جزءاً مقدراً من رأسمالها تمتلكه الحكومة والجزء الآخر تمتلكه اتحادات المزارعين. أي أن أموال الشركة هي أموال عامة أو في حكم الأموال العامة. ما كان يجدر بنا أن نلتفت إليه في كل ما أثير حول هذا الموضوع هو عجز القوانين الحالية عن كشف الفساد المتعلق بالمال العام دعك عن معالجته لافتقاد النظام القانوني لقوانين الشفافية. تعني الشفافية إدارة الشؤون العامة على مرأى ومسمع من الشعب، وهذا يقتضى أن يكون لوسائط الإعلام الحق في الوصول إلى كيفية إدارة المال العام والتصرف فيه، ونشر ذلك لعامة الناس كجزء من حق الناس في معرفة كيف تدار شؤونهم لأن ذلك شئ أساسي لمبدأ خضوع الحكام للمحاسبة، لأن المحاسبة لا تحققها انتخابات عامة يشارك فيها ناخبون لا يعلمون إلا ما تسمح لهم الحكومة بمعرفته. ويلعب مبدأ الشفافية دوراً هاماً فى محاربة فساد الحكم، ويهمنا هنا الفساد الذى يهدف لأغراض اقتصادية عن طريق استغلال المناصب صاحبة القرار في المال العام لتحقيق مكاسب شخصية. وهو أمر لا تنجو منه حكومة ولا نظام للحكم، فهو كما يصيب الدول الشمولية والسلطوية يصيب أيضاً الدول الديمقراطية، ولكن الدول الديمقراطية أكثر قدرة على مقاومته بالشفافية، وذلك لأن إدارة شؤون الدولة على مرأى من الناس يقضي على الفساد في المنشأ، وهو أمر لا يتاح أصلاً في الدول السلطوية، حيث تكون السرية هي أساس الحكم، فليس المهم لدى الأنظمة السلطوية تحسين الحال، بل يكفى إخفاء ما يسوء فيه.

تهدف الشفافية لمحاربة الفساد عن طريق إتاحة المعلومات، وذلك بإلزام الدولة بالكشف عن المعلومات التي تتعلق بالمال العام، والعقود التي تدخل فيها، وجعل قواعد اختيار المتعاقد معلومة ومكشوفة للجميع، كذلك فإن كل الشؤون المالية للقائمين على الدولة يجب أن تكون معلومة، فتُعرف مصادر دخلهم وثرواتهم الخاصة، ويجب على شاغلي المناصب العليا الكشف عن أي هدايا أو مزايا تكون قد منحت لهم. قانون الثراء الحرام والمشبوه لدينا يلزم الحكام بتقديم إقرار ذمة، ولكنها إقرارات لا تحكمها معايير محكمة تقدم لجهة غير مستقلة، والمعلومات الواردة فيها سرية، وغير متاحة للجمهور.)

وفي نهاية المقال يقول الأستاذ نبيل:

(تطورت مسألة الشفافية دولياً وصدرت بشأنها عدة عهود دولية، أما بالنسبة للسودان فإن القانون ما زال يعاني من قصور شديد فيها، والقواعد التى يتضمنها أقل كثيراً من المستوى المتطلب دولياً. ولكن ذلك يحتاج لمعالجة منفصلة).

محجوب محمد صالح 

أصدروا قانوناً للشفافية حتى نحارب الفساد!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادحكاية (التحلل) من حرمة المال المسروق قضية تثير من الأسئلة والتعليقات المستهجنة أكثر مما يستثيره استحسان المال المنهوب، ذلك لأنها تقضي على ركن هام من أركان العدالة هو ركن المساواة أمام القانون، كما أنها تجافي مبدأ الردع للجريمة وتغري بالمزيد من الممارسات الفاسدة تجاه المال العام، وهذا الخلل القانوني...صحيفة اخبارية سودانية