منذ أن وقع أول تمرد عسكري في توريت في اغسطس عام1955م والحكومات المتعاقبة تردد جملة واحدة مفادها (سنحسم التمرد هذا الصيف)، وتمر الايام ويتواصل التمرد ويزداد عنفا واتساعا، وتبدأ تداعياته تنخر في جسد الدولة وتكلفها من الاموال ما لا طاقة لها به، وتُنهك العسكريين والمدنيين على حد سواء…تسقط انظمة وتقوم أخرى ويظل نزيف الدم ونزيف الموارد هو سيد الموقف.

ليس غريبا ان تنهك حرب العصابات الجيوش النظامية وقد حدث ذلك في مواقع كثيرة في العالم، وتظل فيتنام هي المثال الكلاسيكي لهزيمة فرنسا أولا وامريكا ثانياً. في السودان عانينا أولا من ازمة الجنوب التي مازالنا نعيش في خضم تداعياها حتى بعد انفصال ذلك الجزء العزيز من الوطن، لكن مفهوم التمرد تمدد خارج الجنوب لينتج لاسباب موضوعية حروبا أهلية في سائر اقليم دارفور وفي جنوب كردفان وفي النيل الازرق، وما تزال المعارك مستمرة ونزيف الدم يتواصل يوميا والمدنيون يعانون تقتيلا وتشريدا ولجوءً، والمرافق العامة والمنازل والممتلكات الخاصة والعامة تدمر تماماً، والخزينة العامة الخاوية على عروشها تقتطع من اللحم الحي لكي تمول مغامرات عسكرية غير مجدية.

ورغم ذلك نظل نطالع كل صباح تصريحات رسمية ممعنة في التفاؤل تؤكد لنا ان هذا العام سيكون عام الحسم، وأن التمرد مرشح لأن يلفظ انفاسه الاخيرة، ونظل نسمع تلك التصريحات على مدى سنين متعاقبة، وتسقط انظمة وتقوم مكانها انظمة حكم أخرى ولكن اللاحقة لا ترث من السابقة إلا هذا (الكلشيه) المكرور مما يدعو للتساؤل: ترى من هو الذي يلفظ انفاسه الاخيرة! الحكومات أم المتمردون؟!

الأزمة تكمن في القراءة الخاطئة للمشهد؛ فما من ازمة سياسية يمكن حلها حلا عسكريا، وما من إنسان يمتشق سلاحه ضد الدولة ويعرض حياته وحياة الآخرين للخطر إذا ما كانت الطرق مفتوحة أمامه لحل مشكلته السياسية سلمياً… التمرد هو آخر(الكي) لا يلجأ إليه احد إلا كملاذ أخير عندما تنسد أمامه كل الطرق.

لذلك فإن من يطلب سلاما عبر الحوار لابد ان يكون مستعدا وقادرا على دفع الثمن، والحكومة التي تريد ان تضع حلا سلميا لازمة داخلية ينبغي ان لا تكون  مستعدة فقط بل قادرة على تقديم التنازلات المطلوبة والاستجابة للمطالب المشروعة واشراك المتمردين في السلطة والثروة وفي حقهم الطبيعي في المشاركة في صناعة القرار الوطني في مجتمع عادل ومنصف. لكن الحكومات تقدم على حوار السلام بعقلية(المناورة) فهي تريد أن تحافظ على الوضع المأزوم الذي كان هو سبب المشكلة، وأن تقنع الآخرين بقبول الفتات التي تعرضه عليهم للتهدئة دون أن تعالج جذور الأزمة، وهذه هي عقدة العقد في المفاوضات التي تتطاول وتتعثر ولا تجد في النهاية إلا اتفاقات لا تساوي قيمتها ثمن الورق الذي كتبت به، ويظل السلام حلماً بعيد المنال.

المثير للدهشة أن هذا السيناريو يتكرر بطريقة مُملة، لكن كل يوم يمر يزيد الاحوال تدهوراً حتى وضعنا على طريق الانهيار الكامل، فالسلام ليس شعارا نرفعه وليس هو مطلبا هلامياً وإنما هو عمل على الارض ينطلق من تغيير شامل للوضع الذي نعيش فيه ويستشرف مستقبلا يقوم على رؤية ثاقبة، ولكن الذي يتردد عن السلام الآن هو مجرد شعارات خالية من المحتوى لن تنتج سلاماً ولا استقراراً، وسنظل ننتظر التغيير الجذري الحقيقي الذي يغير هذا الواقع المأزوم.

مجوب محمد صالح

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودانمنذ أن وقع أول تمرد عسكري في توريت في اغسطس عام1955م والحكومات المتعاقبة تردد جملة واحدة مفادها (سنحسم التمرد هذا الصيف)، وتمر الايام ويتواصل التمرد ويزداد عنفا واتساعا، وتبدأ تداعياته تنخر في جسد الدولة وتكلفها من الاموال ما لا طاقة لها به، وتُنهك العسكريين والمدنيين على حد سواء...تسقط انظمة...صحيفة اخبارية سودانية