الخلاف التاريخي بين مصر والسودان حول ملكية مثلث حلايب مرشح لتأزيم العلاقات بين الدولتين في ظل التصعيد الاعلامي المصري وتحويل المشكلة إلى قضية داخل في إطار صراع السلطة الدائر في مصر، وإذا استمر هذا الموقف المصري فإنه سيؤدي إلى ردود فعل تصعيدية في السودان بحيث تقود إلى مواجهات لا مبرر لها. الإعلام المصري مطالب بتهدئة اللعب في هذه المرحلة حتى لا يحدث تصعيد غير مطلوب ويمكن أن تكون له نتائج خطيرة.

هناك نزاع حول المنطقة تفجر قبل أكثر من خمسين عاما أمكن احتواؤه بقرار من الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر بعد أن وصلت القضية إلى مجلس الأمن، وبعد ذلك استمرت حلايب منطقة سودانية بصورة كاملة وتناسى الجميع هذه القضية إلى ان تفجرت في تسعينات القرن الماضي إبان عهد الرئيس حسني مبارك حيث احتلت مصر في إطار صراعها مع حكومة السودان المنطقة واعتبرتها جزءاً من مصر بقرار أُحادي جبَّ إعلان مصر أمام مجلس الأمن عام 1957م بسحب قواتها منها. هذا التطور الجديد لم يواجه بعمل مماثل من جانب السودان وقتها، وظل الوضع الذي فرضته مصر بالقوة وإلحاقها للمنطقة لأراضيها أمرا واقعا مفروضا بالقوة بالنسبة للسودان، ولكن ذلك لا يعني تخلي السودان عن موقفه بأن حلايب أرض سودانية.

الأمر الواقع الذي فرضته مصر لا يغير من الحقيقة شيئاً، وما زال السودان على رأيه من أن حلايب أرض سودانية، ومازالت مصر تصر على تبعيتها لها، فهناك إذن نزاع طبيعته سياسية وقانونية والطريق الأمثل لحله هو التفاوض المباشر أولاً ثم إذا تعذر الوصول إلى اتفاق عبر التفاوض اللجوء إلى التحكيم القانوني بموافقة طرفي الصراع ـ مصر والسودان ـ على إحالة القضية، لكن مصر ما زالت  ترفض إحالة القضية للتحكيم القانوني وبالتالي لا تترك السودان من سبيل إلا العودة بالقضية إلى مجلس الأمن، وهو أمر يحاول السودان تفاديه حفاظاً على حسن العلاقة ولكنه قطعاً سيلجأ إليه إذا ظلت مصر ترفض التحكيم.

وقد حرصنا على عدم إثارة القضية ومصر تمر بظروفها الحالية وما زالت تبحث عن وضع أكثر استقرارا بعد انتخاباتها الرئاسية القادمة، وليس هذا هو الموقف المناسب لتصعيد القضية ولذلك نرى أن الإعلام المصري يخطئ خطأ كبيرا بهذا التصعيد وتحويل النزاع إلى قضية مرتبطة بالصراعات السياسية المصرية الداخلية، وخلق أجواء عدائية حولها لن تساعد في انطلاق مفاوضات عقلانية.

أساس المشكلة أن الحدود الدولية التي رسمتها اتفاقية الحكم السوداني الموقعة عام 1899م تضع حلايب داخل الأرض المصرية ولكن عند تنفيذ ذلك القرار على أرض الواقع اتضح استحالته لأنه يقسم أرض قبيلة واحدة (البشاريين) إلى بلدين وصعوبة إدارة شؤون القبيلة بهذه الصورة، وبالتالي صدرت أوامر قانونية مصرية تعترف بتبعية مثلث حلايب للسودان، ونُفذ القرار منذ مطلع القرن العشرين وظل نافذاً طوال فترة الحكم الثنائي وبعد استقلال السودان، واعترفت الاتفاقية المصرية البريطانية الموقعة في فبراير 1953م بتلك الحدود، واعترفت مصر باستقلال السودان بكامل تلك الحدود مطلع عام 1956م، وظلت حلايب جزءاً من أرض السودان المستقل باعتراف مصر إلى أن فجرت مصر هذا الاختلاف بعد قرابة العامين من استقلال السودان ثم تراجعت عنه، واستمرت حلايب جزءاً من السودان إلى حين احتلال مصر لها منذ تسعينات القرن الماضي، وهذا هو النزاع الذي يحتاج لتفاوض أو تحكيم دولي فلنتفق على الحل عبر التفاوض أو اللجوء لمحكمة العدل بعيداً عن المزايدات الإعلامية !!

محجوب محمد صالح

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتحلايبالخلاف التاريخي بين مصر والسودان حول ملكية مثلث حلايب مرشح لتأزيم العلاقات بين الدولتين في ظل التصعيد الاعلامي المصري وتحويل المشكلة إلى قضية داخل في إطار صراع السلطة الدائر في مصر، وإذا استمر هذا الموقف المصري فإنه سيؤدي إلى ردود فعل تصعيدية في السودان بحيث تقود إلى مواجهات لا...صحيفة اخبارية سودانية