الأنظمة الشمولية في شتى انحاء العالم تحاول دائما ان تخلط  بين أمنها الخاص وبين الامن القومي لتضفي على ممارستها الخاصة قدسية قومية، فتعمد إلى خلط الاوراق لتدعي ان أي نقد يوجه لسياساتها الخاطئة هو(خيانة وطنية)، وقد باتت تلك الخدعة خدعة مستهلكة لا يقتنع بها أحد ولكن ما تزال تلك الانظمة تمارسها كمبرر لانتهاكاتها، ونحن نرى ذلك في كثير من القرارات والمواقف التي تتخذها الحكومة الآن.

كثير من قرارات الحكومة هي مجرد اجتهادات تنطلق من موقف حزبي ولا تمت للثوابت الوطنية ولا للامن القومي بصلة، ونقدها ينبغي ان يكون متاحا لكل مواطن لأن إنفاذ تلك السياسات الخاطئة يعود بالضرر على الوطن كله، وليس إضفاء صفة الثوابت الوطنية أو ثوابت الامن القومي سوى حيلة تريد من ورائها السلطة ان تجيز سياساتها الخاطئة والحفاظ على أمنها الخاص وليس أمن الوطن.

والسبب الذي يجعل هذه الممارسات الحكومية المتحايلة تزداد كثيرا في الايام القليلة الماضية هو محاولة وضع العصي في دولاب الحوار الوطني الشامل، و(جهجهة) دعاة الحوار داخل صفوف الحكومة لإفشال الفكرة قبل أن تنطلق.

طرح مشروع الحوار الشامل الذي يعالج قضايا وأزمات السودان دفعة واحدة ودون تجزئة، وان يشار ك فيه الجميع، وان يكون منتهاه تحول ديمقراطي شامل وتفكيك لدولة الحزب الواحد هو في الاساس مشروع المعارضة التي تريد الخروج بالبلاد إلى رحاب الحكم الراشد الذي يشارك الجميع في صناعة قراراته، وليس هو مشروع الحكومة التي ظلت تسعى لتجزئة القضايا والبحث عن حلول فردية لكل أزمة بحيث تقايض المدافعين عن تلك القضية ببضع وظائف دستورية وبعض مصالح آنية. والجديد في الموقف ان الحكومة في يناير الماضي ارسلت رسالة للداخل والخارج مؤادها انها الآن مستعدة للحوار الشامل الذي لا يُجزئ القضايا ولا يستبعد أحدا من مائدة الحوار، ولكن يبدو ان هذا التحول الحكومي لم يكن مكان اتفاق داخل صفوف القوى الحاكمة وكل ما نراه من ممارسات سالبة اليوم هو محاولة من بعض القوى النافذة لإجهاض هذا المشروع الحواري، كما يبدو ان رافضي المشروع الحواري داخل الحزب الحاكم أقوى من الذين يدعون له.

تحت هذه الظروف يصبح السؤال الأكثر إلحاحا هو: ما العمل؟. هل تتنازل قوى المعارضة بكل أطيافها عن مشروعها الحواري بسبب هذه العقبات أم تفترع طريقاً آخر لدعم هذا المشروع وفرضه على أرض الواقع؟.

في رأيي ان الخيار الثاني هو الحل المنطقي لهذه الأزمة لكنه يتطلب عملا متصلا ونشاطا متواصلا ورؤية ثاقبة. تستطيع كل قوى المعارضة بكل أطيافها؛ تلك التي قبلت مبادرة الحكومة للحوار بدون شروط، وتلك التي حددت مطالبها لحوار جاد، وتلك التي تحمل السلاح، وقوى الشاب والنساء التي انتظمت صفوفها في إطار منظمات المجتمع المدني، تستطيع كل هذه القوى أن تنخرط اليوم وليس غداً في حوار مجتمعي شامل دون مساهمة حكومية لتحدد موقفها الحواري المشترك، ومشروعها للتحول الديمقراطي الحقيقي، ومنهجها لإحقاق السلام ووقف نزيف الدم، ومرتكزاتها لفترة انتقالية يكتمل فيها هذا التحول.

هذا الجهد مطلوب في كل الاحوال، فإذا حسم الحزب الحاكم صراعاته الداخلية لصالح الحوار سيجد جبهة عريضة متماسكة للتحاور معه، وإذا فشل الحزب في إنفاذ مقترحه الحواري تولت هذه الجبهة الموحدة قيادة العمل الشعبي السياسي السلمي لإحداث التحول الديمقراطي، ووقف نزيف الدم، وترسيخ دعائم السلام، وتمهيد الميدان لمنافسة ديمقراطية حقيقية، وانتخابات نزيهة، وتعددية ترعى مشروع التبادل السلمي للسلطة في وطن يحترم حقوق الانسان وجماعية المشاركة وينطلق في ساحات التنمية المتوازنة بعيداً عن التهميش.

هل تجد قوى المعارضة في نفسها القدرة على إنجاز هذا المشروع والخروج من مجال الأقوال إلى الأفعال؟.

محجوب محمد صالح

الأنظمة الشمولية وخلط أمنها الخاص بالعامhttps://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودانالأنظمة الشمولية في شتى انحاء العالم تحاول دائما ان تخلط  بين أمنها الخاص وبين الامن القومي لتضفي على ممارستها الخاصة قدسية قومية، فتعمد إلى خلط الاوراق لتدعي ان أي نقد يوجه لسياساتها الخاطئة هو(خيانة وطنية)، وقد باتت تلك الخدعة خدعة مستهلكة لا يقتنع بها أحد ولكن ما تزال تلك...صحيفة اخبارية سودانية