مواصلة لما أثرناه بالأمس حول ضرورة التعامل بصرامة مع الفساد المستشري لابد أن نؤكد أن أي مشروع لمحاربة الفساد يجب ان تتوفر له الإرادة السياسية. ولو كانت الإرادة السياسية لدى الجهاز التنفيذي ضعيفة ينبغي أن تتحرك قوى المجتمع لتتبنى رأياً عاماً ضاغطاً لإنجاز مشروع يؤدي إلى حصار الفساد تماماً، لأن الفساد لا يهدد الموارد فحسب بل يسهم في اتساع رقعة الفقر ويؤثر سلباً على عامة المواطنين.

والضغط يجب ان يتوجه أولا إلى الإصلاح القانوني لإنجاز قوانين محكمة الصياغة تحاصر الفساد، وتسد كل الثغرات التي ينفذ منها، وتستعين بقواعد الشفافية والنزاهة والحكم الراشد الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وغيرها من العهود والمواثيق والاتفاقاتن والاسترشاد بالخبرة التي افرزها الواقع السوداني، ومراجعة القوانين القائمة لإصلاحها جذريا، ووضع قانون جديد خاص بمكافحة الفساد لا يتعارض مع  القوانين القائمة بل يضيف غليها ويكمل نواقصها. وإذا كان النواب الذين تعهدوا بمحاربة الفساد وأعلنوا توجههم لتكوين جسم لمحاربة الفساد، إذا كانوا جادين في ذلك فليعملوا على وضع وإجازة هذا القانون.

وليكن مرتكز مثل هذا القانون تشكيل هيئة وطنية مستقلة تنشأ بالقانون الذي يمنحها كافة الصلاحيات لملاحقة كل الممارسات الفاسدة، وان يتولى أمرها أشخاص أكفاء مشهود لهم بالنزاهة والتجرد والعدالة وعدم الخضوع للجهاز التنفيذي. ولابد ان يطال الإصلاح أجهزة العدالة حتى تتمتع بقدرات ومهارات وإخلاص في متابعة القضايا التي تضعها تلك الهيئة بين يديها.

المبرر للتمسك بقيام مثل هذه الهيئة هو أن الموقف الحكومي تجاه خلق آلية لمحاربة الفساد كان مضطرباً، فهي بدأت بالحديث عن مفوضية ثم غيرت رأيها فتحدثت عن مكتب في رئاسة الجمهورية، ثم صفَّت هذا المكتب بينما الممارسات الفاسدة تتصاعد دون كابح، فاستمر العدوان على المال العام، وتزايدت معدلات فقدان العدالة في المجتمع وتفشي الفقر والبطالة، وظهور طبقة من الأثرياء الذين أثروا فجأة ثراءً فاحشاً كاشفاً عن خلل وعدم توازن رهيب في توزيع الدخل في وقت تتعثر فيه مشروعات التنمية ويتناقص الإنتاج وتتسع دائرة الفقر.

هذا الواقع يحتاج الى استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد، وبنية قانونية تعكس هذا التوجه، وأجهزة عدالة قادرة على إدارة المهمة، ورأي عام قوي ومتماسك وضاغط في هذا الاتجاه، وستكون مهمة هذه الهيئة والقانون الذي تنشأ بموجبه:

–         دعم كافة التدابير التي تتخذ لاجتثاث الفساد وملاحقة مرتكبيه وحجز واسترداد الأموال المنهوبة.

–         إرساء مبادئ النزاهة والشفافية وتحقيق الشفافية، والاستعمال الأمثل للموارد، والتوزيع العادل للثروة، والمشاركة الكاملة في الرقابة والإشراف والمتابعة.

–         توفير المعلومات بموجب مواد قانونية تفرض على كافة المسؤولين الشفافية الكاملة ومد المجتمع بالمعلومات.

–         تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في الرقابة الفعالة والتوعية بالفساد ومخاطرة وآثاره السالبة، وخلق ثقافة معادية للفساد والمفسدين.

–      التأكد من العدالة وتكافؤ الفرص في ملء المناصب العامة ومناصب الخدمة المدنية على أساس الكفاءة ولا شئ سواها، ولابد ان تكون العقوبات موازية للجرم دون تهاون أو التفاف حولها، ويجب ألا تسقط جرائم الفساد بالتقادم أو تكون عرضة لتسويات غير مبررة.

مثل هذه الاستراتيجية لا يمكن إنجازها إلا تحت نظام ديمقراطي ينشئ حكماً راشداً ولذلك تصبح هذه الاستراتيجية جزءاً من المشروع الوطني الأكبر الذي نتطلع لإنجازه.

محجوب محمد صالح 

نحو استراتيجية شاملة لمحاربة الفسادhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادمواصلة لما أثرناه بالأمس حول ضرورة التعامل بصرامة مع الفساد المستشري لابد أن نؤكد أن أي مشروع لمحاربة الفساد يجب ان تتوفر له الإرادة السياسية. ولو كانت الإرادة السياسية لدى الجهاز التنفيذي ضعيفة ينبغي أن تتحرك قوى المجتمع لتتبنى رأياً عاماً ضاغطاً لإنجاز مشروع يؤدي إلى حصار الفساد تماماً،...صحيفة اخبارية سودانية