، عبد الله رزق
، عبد الله رزق

  تواجه الحكومة مأزقا سياسيا ودبلوماسيا نتيجة صدور حكم باعدام الطبيبة مريم بتهمة الردة، ما يعزز الاتهامات المتواترة الموجهة للحكومة بانتهاك حقوق الانسان بالتعدى على حرية العقيدة. فى الوقت الذى صدرت فيه اصوات من الداخل ،تعارض هذا الحكم، لا من العلمانيين، وانما من شخصيات محسوبة على التيار الاسلامى العريض ايضا، ومن منطلقات الاسلام نفسها ، الى جانب نصوص الدستور، ومواثيق حقوق الانسان .

ابرز هذه الجماعات، هى المؤتمر الشعبى الذى يقوده الدكتور الترابى صاحب القانون الجنائى الذى حوكمت بموجبه الطبيبة. ففى اخر تصريح لقيادى من الحزب اعلن الدكتور بشير ادم رحمة، فى حديث لجريدة آخر لحظة، انه لاردة فى الاسلام. بشير الذى انتقد بشدة الحكم باعدام الطبيبة، حسب ماجاء بالصحيفة ، قال انه “يمكن ان يكون الشخص مسلما اليوم وغدا مسيحيا ثم يهوديا “. وطالب بحذف المادة التى تقول باعدام المرتد ، لانه لا اصل لها فى الاسلام. وكان الترابى قد تبنى فى وقت متأخر الرأى القائل بأن المرتد المعنى بحكم الاعدام ، هو المرتد المقاتل.

واقرت الخارجية ،عبر تصريحات للعديد من مسؤوليها ، بالاثار السلبية ،التى نتجت عن هذا الحكم ،والذى عبأ العالم المسيحى ضد حكومة السودان ،مما دفع بالعديد من الحكومات فى الغرب للتحرك لاتخاذ خطوات عملية لانقاذ مريم، كما اعلنت الحكومة الايطالية.   فيما بدأت اصوات بالداخل تتعالى  من الاوساط الحاكمة،  تعمل على بث رسائل مطمئنة ،توحى باحتمال التراجع عن هذا الحكم ،فى المراحل التالية من التقاضى.

غير ان مثل هذه المراجعة،  التى ستتم – ولاشك – تحت ضغوط داخلية وخارجية  واضحة لن تتحقق دون ان تترك اثرا على استقلال القضاء ،او تثير التساؤل حول سلامة، التطبيقات والقوانين الاسلامية،  التى ظلت تحكم بها البلاد،  لربع قرن من الزمان.

فى ذات الوقت فان القبض على السيد الصادق المهدى ، وفتح بلاغات ضده ، قد وضع الحكومة فى مأزق آخر ، اذ اثار شكوكا قوية حول مصداقية  دعوتها للحوار الوطنى،  وإدعائها ببسط الحريات. وبالنظر لكون الصادق المهدى هو من اكثر السياسيين التزاما بنهج الحوار مع النظام ،كطريق وحيد للتغيير ، فان مساع بدأت تتبلور لايجاد مخرج للحكومة، من مأزق محاكمة المهدى، سياسي وقانونى، فالحكومة لن تستطيع ان تمضى فى محاكمة المهدى  بدون ان تعرض قوات الدعم السريع،  واعمالها الى الفحص القانونى والدستورى .

وبالمقابل تثير محاكمات البعثيين التى جرت حتى فى الاونة الاخيرة التساؤل بدورها لا حول  مشروعية الحقوق السياسية والحريات ، فحسب ، وانما عن مدى مساواة المواطنين امام القانون. ففى وقت يتم فيه محاكمة شبان بعثيين وآخرين فى الخوجلاب لمشاركتهم فى احتجاجات سبتمبر الماضى. برزت انتقائية فى التعامل مع قضايا الاقطان ومكتب الوالى وخلية الدندر، وآليات لتسوية قضايا ذات طبيعة جنائية ، خارج المحكمة ، تحت مسميات التحلل المالى، كما فى قضية الاقطان والفكرىأو الايديولوجى كما حدث لخلية الدندر.و:ذلك فى الاوامر ، التى تمنع الصحف من النشر فى قضايا بعينها.ما اثار شبهة بشأن  التستر على الفساد والتجاوزات التى ربما  تورط فيها مسؤولون.

غير ان الاتجاه للافراج عن اعضاء خلية الدندر البالغ عددهم 29 شابا، وفق قرار بالعفو ينتظر صدوره من النائب العام ، اومن رئيس الجمهورية ، بناء على توصية من الوزير ، قد يكون  هو مخرج الحكومة الملائم ، من مأزق الصادق المهدى ، والذى قد يقتضى اخراجه اعلان عفو جزئى،  يشمل عددا من الناشطين المحكومين او الذين تجرى محاكمتهم،  حاليا ،الى جانب المهدى. وهو ذات الاجراء ، الذى تم اتخاذه بعد الاعلان عن الوثبة والحوار الوطنى وتنظيم الحريات السياسية . لكن ليس من المحتمل، ايضا، ان يؤدى الافراج عن الصادق المهدى ، تسوية تلقائية للمسائل  التى اثارها ،والتى كانت سببا فى القبض عليه،  وتدوين بلاغ فى مواجهته . اذ سيبقى التساؤل بشأن  دستورية قوات الدع السريع التابعة لجهاز الامن والمخابرات الوطنى، قائما.

لكن يبقى من كل ذلك ، ليس ظاهرة  سوء استخدام القانون فى قضايا سياسية ، وحدها ، وانما مايمكن اعتبارها  ارهاصات، تنصل الحكم عن التقيد بالقانون،وبالاجهزة المعنية بتنفيذه، وبالدستور . فقد شكلت سابقة التحلل فى قضيتى الاقطان ومكتب الوالى ، وكذلك ايقاف جريدة الصيحة، علامة بارزة فى هذا النهج.

لقد بدا واضحا فى البيان الرئاسى وفى القرار الجمهورى رقم 158 ، بوادر ضيق الحكومة ، وتبرمها من القانون ، ونزوعها المرتبك الى التصرف خارجه ، وخارج سلطة الاجهزة العدلية المعنية بانفاذه.

اأن مجمل الوقائع المشار اليها  تشى بان الحكومة وبسبب عجزها فى مواجهة ازماتها المتفجرة تتجه حثيثا نحو التحلل أو التفلت من قيود الدستور والقانون. لقد عرفت البلاد، نشأة التفلت، اصطلاحا وممارسة، فى بعض ولايات دارفور،وفى ولايتى شمالى وجنوبي دارفور، خاصة. غير ان احداث سبتمبر ، واحداث جامعة الخرطوم الاخيرة ، وماسبقها من اعمال عنف فى جامعتى كردفان ، والجزيرة ، وغيرها، ترهص بنضج شروط مايمكن تسميته بالدولة المتفلتة، كطور من تفسخ الدولة الدولة الفاشلة.

تحليل- عبد الله رزق 

ورطة مريم، مأزق المهدى، ومحاكمات البعثيينhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  تواجه الحكومة مأزقا سياسيا ودبلوماسيا نتيجة صدور حكم باعدام الطبيبة مريم بتهمة الردة، ما يعزز الاتهامات المتواترة الموجهة للحكومة بانتهاك حقوق الانسان بالتعدى على حرية العقيدة. فى الوقت الذى صدرت فيه اصوات من الداخل ،تعارض هذا الحكم، لا من العلمانيين، وانما من شخصيات محسوبة على التيار الاسلامى العريض...صحيفة اخبارية سودانية