ورقة قدمها المبعوث الأمريكي الخاص للسودان وجنوب السودان، دونالد بوث ، بالمجلس الأطلسي، واشنطن .

 لقد قام الرئيس اوباما بتعييني كمبعوث خاص للسودان وجنوب السودان قبل عام تقريبا ، وقد كان هذا العام مليئا بالأحداث – وذو أثر مدمر من نواح عديدة – على السودان وجنوب السودان . انتهز هذه الفرصة لطرح آرائنا عن الموقف في البلدين وكذلك لمشاركة آرائنا وأهدافنا. وقد تمت صياغة هذه الأهداف بواسطة توجهات سياستنا الشاملة ، والتي تتمثل في : دولتين مزدهرتين ، تنبضان بالحياة وتتمتعان بفوائد السلام والشراكة الكاملة مع المجتمع الدولي .  سوف ابدأ في هذا المقام بتقييم جذور النزاع في جنوب السودان. سوف أقدم كذلك بعض الآراء عن عملية السلام، كما سأقوم بتحديد الأعمدة الستة التي نعتقد أنها أن تشكل حلا وتحول انتقالي سياسي للسودان. سوف أبدأ بتقييم آمال واحتمالات الجوار الوطني والتفكير في وسيلة لتنهي النزاعات، ونمهد لحوار سياسي ذو مغزى لكي يتم تحقيق مستقبل مزدهر يكون أكثر أمنا وشمولا. وأخيرا سوف أقدم بعض الآراء عن علاقاتنا الثنائية مع السودان قبل أن اختتم خطابي ببعض ألأفكارعن العلاقة المستمرة بين السودان وجنوب السودان. ظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة – بالإضافة إلى بعض الأفراد والمؤسسات المخلصة –  تتمتع بعلاقة خاصة مع شعب جنوب السودان لعدة سنوات ، وكانت تلك العلاقات قد تم توطيدها حلال الحرب الأهلية الطويلة بالسودان ، والصراع من أجل السلام وتحديد المصير. عندما أختار جنوب السودان الانفصال في عام 2011م تقاسمنا جميعا ذلك الشعور بمستقبل واعد. ولهذا السبب فإن النزاع الذي اندلع في ديسمبر   2013م – بعد ثلاثة سنوات من ذلك التاريخ – والذي انتشر بسرعة فائقة وأصبح خارج نطاق السيطرة نجم عنه إحساس بالصدمة، والحزن، وخيبة الأمل على تلك الفرصة التي أهدرت.  هذا البلد الذي لدبه الفرصة ليبدأ من جديد حيث أنه يتمتع بمصادر طبيعية وافرة والكثير من النوايا ألحسنة على النطاقين الإقليمي والدولي قد أهدر تلك ألفرصة. أنه أمر في غاية الأهمية بالنسبة لقادة البلد السياسيين بكل جوانب هذا النزاع  الخالي من المنطق أن يتفهموا خيبة الآمل التي يشعر بها أصدقاء هذا البلد بالإدارة الأمريكية بواشنطن وخارج تلك الإدارة بالولايات المتحدة الأمريكية. كذلك من المهم بالنسبة  لشعب جنوب السودان أن يدرك أن التزام أصدقاءهم بالولايات المتحدة الأمريكية سوف يستمر إلى ما بعد هذه الحرب المجنونة التي تحكم قبضتها على البلد الآن. سوف ندعم شعب جنوب السودان لكي ينهي هذا النزاع ، ويوفق ما بين مجتمعاته ، ويحقق الأمل الواعد الذي تم تأجيل.

الجذور الأوسع للنزاع 

في الوقت الذي تكون فيه الأحداث المباشرة التي دار النزاع حولها في ديسمبر 2013م هامة بالنسبة لتحديد المسئولية عن الجرائم التي ارتكبت وبالنسبة لحدوث نزاعات في المستقبل إلا أن تفهم الأزمة الراهنة وتشكيل مرحلة انتقالية معقولة وسلام مستدام يتطلب منظورا أوسع ونظرة ثاقبة للسياق الأعرض والديناميات التي مهدت لحرب هذا العام. يمكن تحديد العديد من العوامل على أنها الأسباب الجذرية لتلك الحرب ، بما في ذلك ضعف المؤسسات ، واللامركزية المفرطة ، والتقدم البطيء في إصلاح القطاعات الأمنية  ، وسوء الإدارة المالية ، وتوترات فترة الحرب التي لم تتم تسويتها ما بين المجتمعات المحلية. لكن هذا النزاع هو في المقام الأول نتاج لفشل القيادة ، وهو فشل جماعي لأولئك الذين ساعدوا جنوب السودان لنيل استقلاله بما فيهم الحزب السياسي المهيمن الذي سيطر على الحكومة. كانت المعارضة لنظام الخرطوم تمثل المبدأ الموحد خلال الحرب الأهلية الطويلة الأمد وفترة اتفاق السلام الشامل التي تلتها.  لكن ذلك القاسم المشترك اختفى بعد نيل الاستقلال في عام 2011م ، ولم تحل محله أي رؤيا موحدة.  المهام التي واجهت الآمة عند ميلادها بسبب الظلم ، وفقر التنمية ، والنزاعات التي عانى منها جنوب السودان لفترة طويلة تتطلب تتضافر جميع الجهود. أن بناء دولة آمنة ومزدهرة كان – ولازال – مهمة هائلة تتطلب وحدة الهدف بين أبناء جنوب السودان، وتعاون شركاء جنوب السودان الدوليين. لكن الفراغ الذي أعقب “التحرير” كان ينبغي ملآه بأفكار وأجندة وبرامج سياسية جديدة ومباديء منظمة تنبثق في أوساط الحركة الشعبية لتحرير السودان. وبدلا من ذلك تم ملء ذلك الفراغ بالطموح السياسي والصراع على السلطة. الآن يسدد أبناء جنوب السودان فاتورة ذلك الطموح والصراع في الوقت الذي يتم فيه التخلي عن المباديء التي كانوا يتطلعون إلى تحقيقها والمتمثلة في “العدالة ، والمساواة ، والتنوع ، وحقوق الإنسان ، واللامركزية” والتي حفزت ذلك النضال. في سياق وصف الانتقال من تفويض التحرير إلى تفويض يناء الأمة ، قال لي موظف بارز بالحكومة والحزب : “أنه عار علينا. لقد فشلنا في تعلم دروس حركات التحرير الأفريقية التي سبقتنا.” يمكننا الآن أن نرى بوضوح العواقب المدمرة على شعب جنوب السودان بالنسبة للتنمية ، والصحة والتعليم ، وتقديم الخدمات ، ونزع السلاح ، والالتئام الجماعي ، وتنمية البنيات التحتية.

الطريق قدما

 

إلى أين سنذهب من هنا؟  دعني أكرر هذا الآمر الذي يستحق التكرار: أن الولايات المتحدة سوف تظل ملتزمة بمستقبل آمن ومزدهر لجنوب السودان وشعبه = وهذا التزام طويل الأمد سوف يصمد لفترة أطول من فترة تعييني ومن فترة هذه الإدارة. إنني على ثقة بسبب هذه الشراكة – التي تشاركنا فيها العديد من العواصم – أن جنوب السودان سوف يسترد عافيته وينتهز هذه الفرصة التي فشل في انتهازها سابقا.  سوف يستغرق الانتقال خلال فترة ما بعد النزاع أشهرا، أو سنوات، أو في بعض الحالات جيلا بأكمله.  لكنني أود اليوم التركيز على المهمة المباشرة التي ينبغي القيام بها – أي ما يمكننا القيام به معا على المدى القصير لإنهاء القتال واستهلال الانتقال السياسي.   لقد قضيت جل الأشهر التسعة الماضية بالمنطقة أعمل بالتعاون مع أصحاب المصلحة بجنوب السودان ومع شركاء الإيقاد لكي نساعد في تشكيل عملية سلمية ونمارس التشجيع والضغوط الدبلوماسية حيث يكون ذلك ضروريا. وقد شملت النشاطات التي دعمناها: خلق وحدة إقليمية وعالمية خلف العملية التي تتصدرها الإيقاد، والتفاوض بشأن اتفاق وقف العدائيات ، وخلق آلية تقوم بمراقبة الالتزام بذلك الاتفاق ، ومراجعة تفويض بعثة الأمم المتحدة لجنوب السودان (يوناميس) لكي تزيد من تركيزها ، والتفاوض بشأن إتاحة العون الإنساني ، وتوفير الدعم للجنة التحقيق التابعة للاتحاد الأفريقي  ، وتطوير عملية أصحاب ألمصلحة المتعددين لتقوم بإيجاد الحلول وتشكيل الانتقال السياسي ، وسوف أعود لمضمون هذا الانتقال السياسي لاحقا.

لكن أود قبل ذلك أن أؤكد بشكل خاص على أن جوهر مفهوم سياستنا لعملية السلام وللحالة التي نرغب في التوصل إليها يتمثل في الشمولية. خلال فترة اتفاق السلام الشامل وأيضا خلال فترة ما بعد الاستقلال كانت الميول السلطوية ، وعمليات اتخاذ القرار النخبوي والممارسات اللاديموقراطية من ضمن التظلمات التي ساقها مواطنو جنوب السوداني من خارج دوائر السلطة. كان التركيز على مصالح النخبة مكونا رئيسيا ساهم في صنع هذه الأزمة. وعلى هذا الأساس لا يمكن لتفاهم نخبوي آخر بين المشاركين المسئولين عن تقسيم مجتمع جنوب السودان أن يؤدي إلى سلام مستدام. دعني أكرر هذا مرة أخرى: لا يمكن لتفاهم بين الأفراد والفصائل التي في قلب هذه الأزمة أن يقدم سلاما مستداما بمفرده. وبما أن وساطة الايقاد قد تم استهلالها فان سياستنا تركز على مساعدة مكونات جنوب السودان والشركاء الإقليميين على تخطيط عملية تكون شاملة بشكل عريض  بحيث تعكس اهتمامات وتطلعات نطاقا واسعا من أصحاب المصلحة في جميع مناحي مجتمع جنوب السودان. بدون ذلك سوف تفتقر أي صفقة سلام للأحقية  اللازمة لتخفيف الانشقاقات المستقبلية.  سوف تكون صفقة السلام مرنة وغير قابلة للتفتت فقط عندما يتم الاستثمار في غالبية شعب جنوب السودان. هكذا سيواجه أصحاب المصلحة المشاركون في عملية السلام مهاما ذات أهمية قصوى. ولهذا الغرض أود أن أذكّر المشاركين في المحادثات بالمشاعر التي عبر عنها مواطنون عاديون بجنوب السودان والتي مفادها أن عليهم اعتبار كراسيهم في الحكم كمسئولية وليس كحق.  تتمثل تلك المسئولية في وضع المصلحة القومية في المقام الأول وعكس وجهات نظر لسياسة متنوعة.

طوال هذه الأزمة كان هناك تركيزا كبيرا على من يستطيع أو من ينبغي له قيادة البلد، وهي خاصية سلبية ولكنها مألوفة في سياسات جنوب السودان. لكن لا ينبغي أن ينحصر التركيز على من يقطن بالقصر الرئاسي ’ وإنما ينبغي أن يكون التركيز كذلك على الخطوات التي ينبغي إنجازها لوضع جنوب السودان على طريق السلام والازدهار، وهي ما أسميه بالأجندة الانتقالية. وبالتالي سيكون بالإمكان تحديد الأجندة الداخلية جنوب السودان من تحديد الجهات المؤهلة بشكل أفضل لتنفيذ تلك الأجندة. ستكون هذه القرارات متداخلة، وأود في هذا المقام أن أضع الخطوط العريضة لستة مجالات نعتقد أن على أصحاب المصلحة بجنوب السودان معالجتها حين يقومون بتطوير الأجندة الانتقالية ، كما ستكون هذه المجالات الستة هامة بالنسبة لاستعادة الثقة لشعب جنوب السودان. وقد قدمنا دعما في كل مجال بالنسبة للوساطة وأصحاب المصلحة من خلال الآراء المشتركة، وتوظيف جهود خبراء المصادر، ودراسة العبر من المراحل الانتقالية السابقة لفترات ما بعد الأزمة:

 

1-  الترتيبات الأمنية الانتقالية

من الضروري اتخاذ إجراءات فورية لوقف القتال ، بما في ذلك فصل وعزل القوات ، ووقف الهجمات على المدنيين ، وإتاحة وصول العون الإنساني بشكل مستدام ، وسحب القوات الأجنبية ، ومراقبة المناطق المنزوعة السلاح المتفق عليها ، ، وفي النهاية إعادة نشر القوات وتوقيع اتفاق دائم لوقف إطلاق النار. وينبغي أن تستمر الجهود الخاصة بإصلاح القطاع الأمني .  وينبغي أن توكل هذه المهمة إلى آلية انتقالية ذات تمثيل عريض مع دور مباشر للشركاء الدوليين.

2-  ترتيبات الحكومة الانتقالية:

إذا أخذنا في الاعتبار شراكتنا الطويلة مع جنوب السودان ، نجد أن هناك العديد من الشائعات حول الجهات التي ندعمها والجهات التي لا ندعمها والجهات التي نود لها أن تقود الفترة الانتقالية القادمة. والحقيقة أنه ليس لدينا وضفة لشخصية بعينها ، وبدلا من ذلك تركز الولايات المتحدة الأمريكية على تقوية المؤسسات ودعم وتطوير الأجندة الانتقالية. كما ذكرت آنفا ، فإننا نرى أن تحديد الأجندة بالنسبة للمفاوضين يكون ضروريا بنفس القدر الذي تكون فيه الجهة المنفذة لتلك الأجندة ضرورية. أتتا نعتقد أنه يتوجب على الحكومة الانتقالية استيعاب كافة الأصوات ، بشكل مباشر وغير مباشر ، من كافة المجتمعات المحلية والمكونات السياسية بجنوب السودان. لا بد من تحديد المسئوليات والسلطات ، وشكليات اتخاذ القرار بشكل دقيق –  ليس بالنسبة للبنود الرئيسية فحسب وإنما كذلك بالنسبة للحقيبة الوزارية الانتقالية والآليات الانتقالية الداعمة. أود أن أفيد هنا بوضوح ،  بالنسبة لشعب جنوب السودان ، أن الولايات المتحدة ترغب بشدة وفي المقام الأول في مناصرة أولئك الذين يختارون السلام ، وأولئك الذين يضعون شعبهم فوق طموحهم السياسي ، وأولئك الذين يدركون أن التحدي القادم يفوق قدرة أي شخص منفرد ، أو حزب واحد ، أو أي مجتمع محلي عرقي.

3-    الإدارة المالية العامة:

بالطبع ستكون الإدارة المسئولة عن الربع والإنفاق الخاصين بالمصادر الطبيعية لجنوب السودان عنصرا جوهريا لمرحلة انتقالية عملية. وينبغي على قادة جنوب السودان أن يتفهموا أن “الأعمال لن تسير كالمعتاد” عندما تتعلق الأمور باستعادة الشراكات مع المانحين. أولئك الذين رحبوا بأموال المانحين لمعالجة أجندة التنمية الهائلة بالبلد ، في الوقت الذي كانوا فيه يحولون مصادر البلد الطبيعية إلى جيوب خاصة ، ينبغي عليهم التخلي عن فكرة أن المجتمع الدولي سوف يتحمل عبء التعافي والتنمية لوحده. لا بد أن يكون لجوبا رهان مالي في التحدي الماثل ، كما ينبغي أن تصاغ الآليات الانتقالية للتوصل إلى إدارة شفافة ومسئولة لأموال الدولة.  لقد لفت ألعديد من أبناء جنوب السودان ألنظر إلى هذه القضايا عقب الأزمة في سبيل بحثهم عن صوت أعلى للكيفية التي تخصص بها مصادر البلد.

 

 

4-    العدالة ،  والصلح ، والتعافي

هناك رغبة لدى مواطني جنوب السودان في وجود آليات تعالج الأسئلة الجديدة وتلك التي تم تأجيلها لأمد طويل حول المحاسبة والصلح. أننا ندعم الايقاد والإتحاد الأفريقي وأصحاب المصلحة بجنوب السودان بشكل كامل بالنسبة لرغبتهم في ضمان إدراج المحاسبة والصلح كعناصر بارزة في الأجندة الانتقالية. وقد قمنا بتقديم دعمنا للجنة التحقيق بالاتحاد الأفريقي في سبيل تحقيق هذه الغاية. نحن نهنيء الاتحاد الأفريقي على تحركه السريع لإنشاء هذا الكيان ، كما نعبر عن تقديرنا للاستشارات الواسعة التي قام بها الرئيس اوباسانجا وفريقه. أننا نتطلع إلى مكتشفاتهم وتوصياتهم المفصلة عن آليات العدالة الانتقالية السليمة. ستكون تلك لحظة هامة بالنسبة لجنوب السودان وكذلك بالنسبة للقادة الأفارقة حول هذه المواضيع.

 

5-   عملية الدستور الدائم المراجع والذي أعيد إنعاشه .

 

كانت العملية الدستورية الوليدة بطيئة ومهملة وضعيفة التمويل بعد الاستقلال. وبدلا من السيطرة على هذه العملية بغرض إشراك المواطنين في حوار حول أهداف وتطلعات ما بعد الاستقلال كان القادة السياسيين في جوبا منهمكين في صراع نخبوي حول السلطة داخل نطاق الحزب. لا تمثل مفاوضات السلام الجارية حاليا منبرا يمكن من خلاله صياغة دستور جديد إذ ينبغي على أصحاب المصلحة الرجوع إلى شروط العملية الدستورية نفسها  حيث يكون ذلك ضروريا ،  وإضفاء الوزن السياسي اللازم عليها حتى تكون العملية التحويلية التي كان من المفترض أن تكون. سوف تكون العملية الدستورية التي أعيد إنعاشها أضمن طريقة لتقديم منبر لمواطني جنوب السودان المهملين للتعبير عن آرائهم ولاستثمارهم في التدابير التي تعقب الفترة الانتقالية.

 

6  خارطة الطريق للانتخابات الجديدة:

ينبغي أن تعقد الانتخابات الجديدة في نهاية الفترة الانتقالية ، لكنها لن تكون انتخابات بناءة في حالة استمرار النزاع ، أو عدم الاستقرار ، أو الاستقطاب الإثني. لا بد أن تكون الترتيبات الأمنية الانتقالية قد أرست قدرا قليلا من الأمن والعدالة كما أن آليات الصلح لا بد أن تكون قد تجذرت وبدأت في معالجة الحصانات واسترداد الثقة.  في هذه الأثناء يكون التشريع الحالي ، وقوائم سجلات المصوتين المحدثة ، والتمويل الكافي ، والإعداد الفني ، والمساحة السياسية المناسبة والحمايات معايير ضرورية إن كان للانتخابات أن تحقق الغاية المرجوة منها –  أي المؤسسات التمثيلية التي تستطيع تقديم الخدمات والتنمية المؤجلتين.

 

الأزمة الإنسانية:

في الوقت الذي تستمر فيه مفاوضات السلام، نظل مدركين إدراكا عميقا للأزمة الإنسانية التي صنعها الإنسان وهي تتكشف أمامنا.  لقد تم تشريد أكثر من 8ر1 مليون شخصا كما أن أربعة ملايين شخصا آخرين يواجهون أزمة حادة في عدم الأمن الغذائي.  لقد قدمت الولايات المتحدة 720 مليون دولار من العون الإنساني إلى تاريخه وسوف تظل ملتزمة بتخفيف هذا الموقف الأليم. لكن انعدام الأمن، والقيود التي تحد من إتاحة العون الغذائي  ، ومضايقة العاملين الإنسانيين لازالت عوامل تعيق تسليم العون المنقذ للحياة. ولازلنا نحث جميع الأطراف على إتاحة العون الإنساني عن طريق الوسائل المائية، والبرية، والجوية. وقد نجحت هذه الجهود في إحراز نجاح متواضع، لكن الطريق لا زالت طويلة أمامنا.  يتحمل الطرفان المتحاربان المسئولية الكاملة عن هذه الأزمة وعن معاناة زملائهم مواطني جنوب السودان، وأكرر هنا بأن أولئك الذين يعيقون إتاحة العون الإنسانيين سيكونون عرضة لعقوبات من قبل الولايات المتحدة.

عملية الايقاد للسلام

 

على الرغم من جهود الوساطة الحثيثة التي يقودها الشركاء الإقليميون والتعزيزات الدبلوماسية من قبل الولايات المتحدة ودول الثالوث “الترويكا”، والاتحاد الأوروبي ، والشركاء الآخرون فان الحكومة والمعارضة قد فشلا في الانخراط في هذه العملية بنية صادقة أو الوفاء بالتزاماتهما بشكل كامل. كذلك أخفق كلا الطرفين في انتهاز الفرص السياسية التي أتيحت لهما لممارسة قيادة ذات رؤى أو اتخاذ مواقع ترد لهم الكثير من الثقة التي فقدوها في أعين الكثير من مواطني جنوب السودان. وعلى الرغم من النقاط المتقدمة التي تم تصنيفها باتفاقات 23 يناير ، و9 مايو والاتفاقات اللاحقة فقد حاول الجانبان التنصل من التزاماتهما ، وإضعاف العملية ، وتضييق نطاقها ، وإبعاد الآخرين من طاولة المفاوضات في الوقت الذي انهمكا فيه في قتال ميداني لا معنى له. لا يمكننا الوقوف بلا حراك بينما لا يأبه الطرفان المتحاربان بمعاناة شعبيهما. وهكذا قام الرئيس اوباما بتوقيع أمر تنفيذي يفرض عقوبات فردية – حظر سفر وتجميد أرصدة – في شهر أبريل ، بالإضافة إلى الجهود الدبلوماسية التي نقوم بها. وقد استهدفت تلك الإجراءات العقابية الأفراد الذين يهددون السلم والأمن ، أو يعيقون عملية السلام ، أو ينتهكون الاتفاقات الانتقالية ، أو يعيقون تسليم العون الإنساني ، أو يعتبرون مسئولين عن انتهاكات لحقوق الإنسان. لقد قمنا بإدراج أربعة أفراد إلى تاريخه، كما نقوم حاليا بدراسة حالات أخرى تنطبق عليها هذه المعايير. تستهدف هذه الإجراءات حث الطرفين على التوصل إلى حل سياسي تفاوضي. لقد آن الأوان للمجتمع الدولي العريض لكي يبعث برسائل واضحة مماثلة عن طريق إجازة عقوبات من قبل مجلس الأمن بالأمم المتحدة، وستكون تلك إشارة موحدة بأن هذه الحرب العديمة الجدوى غير مقبولة وأن أوليك المسئولين عنها سوف يدفعون الثمن. أود أن أوضح هنا أن هذه الإجراءات لن تستهدف الدولة وإنما سوف تستهدف الأفراد الذين يستمرون في دفع البلاد للأسفل في دائرة حلزونية. يتوجب علينا الوقوف مع الأفراد الذين يبدون استعدادا لممارسة قيادة تتسم بالجرأة والذين يستطيعون رسم مخرج من هذه الأزمة.

في حالة فشل الجولة الحالية من المحادثات التي تقودها الايقاد في التوصل إلى حل ، وفي حالة انقضاء مهلة الأربعة عشر يوما ، يتوجب علينا أن نكون مستعدين للتحرك بشكل سريع لزيادة الضغط الذي نمارسه ، وإعادة النظر في ارتباطنا ، واتخاذ خطوات حاسمة تمنع انزلاق جنوب السودان إلى حالة دائمة من النزاعات المنخفضة الحدة ، والانشقاقات الإثنية، والحكومة الضعيفة. لن تسمح المنطقة والمجتمع الدولي بحدوث ذلك.

السودان

 

بنفس القدر الذي استحوذ فيه النزاع في جنوب السودان على اهتمامنا الكامل هذا العام، فإننا قد سلطنا قدر مساو من التركيز الشديد على السودان الذي يمثل مجموعة من الظروف الصعبة وكذلك مجموعة هامة من المصالح. لقد ظلت علاقاتنا مع الخرطوم متوترة لسوات عديدة بسبب الظلم الذي عاني منه العديد من أفراد شعبه. أود هنا أن أستعرض بشكل مختصر موقفنا السابق وموقفنا الراهن حيث أن فهم المخاطر والفرص المهدرة السابقة سيكون هاما بالنسبة للتمهيد للسلام المستدام وتطبيع العلاقات الأمريكية-السودانية ، واستعادة تلك العلاقات على أساس التفاهم المتبادل والمصالح المشتركة. سوف أقوم بعد ذلك برسم الخطوط العريضة لما أعتبره العناصر الرئيسية للعملية التي يستطيع السودان عن طريقها إنهاء أزماته المتعددة ، ومواجهة مشاكل الحكم الرئيسية ، وتحقيق مستقبل أكثر شمولية. لهذا الغرض سوف أقوم بمناقشة دور الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالنسبة لدعمهم للشعب السوداني في هذا الخصوص. وأود أن أؤكد هنا أن التزامنا لشعب السودان – ولتطلعاتهم الجماعية – سوف يظل ثابتا بنفس القدر. قبل ثلاثة سنوات مضت كنت أعمل كمسئول في “ديسك” السودان بالخارجية الأمريكية. كانت العلاقات بيننا في ذلك الوقت مختلفة عما هي عليه اليوم. كانت علاقات التعاون السائدة في ذلك الوقت تمكننا من مناصرة إعفاء الديون ودعم التنمية الاقتصادية. لقد تقاسمنا أهداف مشتركة بالنسبة للمنطقة وأمنها، وتقاسمنا كذلك العلاقات العسكرية = العسكرية. كان السودان في ذلك الوقت ينعم بفترة سلام نسبية.  وكان جنوب السودان يتمتع باستقلال ذاتي، كانت هناك شركة أمريكية كبرى تقوم بالتنقيب عن النفط بشكل نشط بالسودان قبل خمسة عشر عاما من ظهور النفط الذي أصبح المصدر الرئيسي لريع البلاد. عند النظر إلى الوراء لتلك الفترة يتبين لنا أن العلاقات بين بلدينا لا يتوجب وصفها بالضرورة بالعداوة ، وعدم الثقة ، أو بواسطة العقوبات الاقتصادية والسياسية. وبدلا عن ذلك يمكن تعريفها بحسن النوايا ، والتعاون ، والمصالح المشتركة ، وهي فكرة سأعود إليها فيما بعد.

وحتى في ذلك الوقت كان هناك عدم توازن بين المركز والأطراف. وسوف يتسع هذا الخلل الجوهري في تركيبة الدولة السودانية تحت الحكومات المتعاقبة بحيث يهمش بضعة مجتمعات محلية سودانية متنوعة. ويعني هذا التركيز للسلطة والمصادر إهمالا جسيما لاحتياجات وتطلعات أولئك الذين يتواجدون خارج المركز. في الوقت الذي أستمر فيه المنظور السياسي في التبلور والتطور تم قمع ألتعبير الديني ، والثقافي ، وتعابير الهوية التي لا تتطابق مع تعابير النخبة النهرية والإسلاميين الصاعدين. بذلك عادت الحرب وأصبحت الساحة السياسية أكثر تشاؤما وفقدانا للثقة بشكل مضطرد كما تم استبدال الآراء والحوارات بالفساد والمحسوبية ، وتم إفراغ الدولة من المواهب والمصادر. يمكن مشاهدة نتائج هذا التدهور البطيء اليوم بوضوح عند تفحصنا للحالة المزرية للاقتصاد السوداني.

بعد تكبلها بعجز هائل في حساباتها الجارية وفقدان البلايين من الدولارات من عائدات النفط ، لجأت الحكومة لوسائل غير عادية لسد العجز في خزائنها الفارغة. وقد ارتفعت نسبة التضخم إلى 45%. وتعني نسبة البطالة العالية والتدهور المستمر لسعر العملة أن الأسر سوف تعاني الامرين  لكي تستوفي احتياجاتها. تبلغ ديون السودان حاليا 45 بليون دولار، وقد علق السودان تسديد تلك الديون حتى بالنسبة لقروضه الحديثة. وفي نفس الوقت يقوم الإنفاق العسكري والآثار الناجمة عن حربين  بإفلاس الاقتصاد الذي هو أساسا عليل. لكن خلف هذه الأرقام يكمن فقدان الثقة. أصبح الرأسماليون السودانيون يستثمرون بأماكن أخرى كما أن الطبقة المهنية المتبقية بالبلاد تغادرها مرة أخرى بعد تحررها من الأوهام بواسطة الفساد، وسوء الحكم، والأهوال الاقتصادية. السؤال الذي يدور الآن في رأس الكثيرين هو: هل ستدفع هذه الأحوال الرهيبة القيادة للقيام بإصلاحات حقيقية؟

 

الحوار الوطني

في شهر يناير 2014 ألقي الرئيس البشير خطابا حول السياسة تم التبشير له كثيرا، وقد جذب ذلك الخطاب انتباه المواطنين السودانيين والمراقبين الدوليين على السواء. وبينما صرف البعض النظر عن ذلك الخطاب على أساس أنه خطاب بلاغي أجوف، فان الالتزام بإجراء  الحوار الوطني وتحديد التحديات الجوهرية التي ستتم معالجتها بذلك الحوار- أي “السلام ، والحريات السياسية ، والفقر” – وبشكل خاص الإشارة إلى “الهوية القومية”- كانت مرحبا بها وجديرة بالاهتمام. بينما كانت مثل هذه المبادرات مخيبة للآمال في الماضي ، فان العديدين قد تساءلوا عما إذا كان بإمكان الحالة الاقتصادية ، وتكلفة الحروب المستمرة ، وديناميات حزب المؤتمر الوطني ، والانتخابات المجدولة أن توفر هذه المرة بعض المداخل وبعض الفرص لحوار ذو مغزى. أم  أن هذه الخطوة ستكون تمرينا فارغا آخر – أى محاولة خفية لإيصال النظام إلى انتخابات غير عادلة وجو متجدد من الشرعية؟

في شهر يونيو ، رحب السكرتير كيري وزملاءه من دول الترويكا (المملكة المتحدة والنرويج) بالنية المعلنة من قبل الحزب الحاكم لاستهلال الحوار الوطني ، وهو أمر ظل العديد من المواطنين السودانيين ينادون  به. وقد لوحظ عندئذ أن “التفاهم المشترك لعملية الحوار الوطني ، والأهداف المرجوة” ، مقترنان مع بيئة مشجعة على الانفتاح والشمولية ، سوف يؤديان إلى مشاركة عريضة ويقدمان أفضل فرصة للحوار. لكن ظل تحقيق الحوار الوطني الموعود أمرا غير مؤكد إلى تاريخه. خلال الأشهر التي أعقبت ذلك كانت تفاصيل الحوار المستهدف قليلة كما كانت الخطوات التي اتخذتها الحكومة مناقضة لهدفها المعلن.  وقد أضفت تلك الخطوات المزيد من التوتر على الساحة السياسية كما أنها وطدت مخاوف المتشككين. كما أشارت الحكومة إلى أنها سوف تمضي قدما بالانتخابات حسب جدولها المعلن في أبريل 2015م. و لا يمكن أن يتيح هذا الإطار الزمني المجال لعملية سياسية ذات مغزى ، كما فسر العديد من الأشخاص الاهتمام المتزايد بالانتخابات على أنه محاولة لبث الخوف في نفوس أحزاب المعارضة لكي تنضم للحوار قبل أن يغادر القطار المحطة.

لكن العديد من المواطنين السودانيين قاوموا ذلك الضغط وعبروا عن آرائهم حول ما يعتبرونه بيئة مساعدة لمشاركتهم في الحوار.  لقد جمعت هذه الإعلانات عناصر المعارضة المختلفة مع بعضها البعض وتلا ذلك سلسلة من المباديء قام بتوقيعها ناشطو المعارضة وعلى الأقل ممثلو الحكومة الأسميين بتسهيل من قبل الاتحاد الأفريقي. جددت وحدة المعارضة هذا الاهتمام وأحيت الآمال بإمكانية  إجراء حوار ذو مصداقية.  وقد عاد ثابو امبيكي ، رئيس الاتحاد الأفريقي ، إلى الخرطوم  للحصول على مصادقة الرئيس البشير على هذه المباديء و على العملية التي تجعل من الحوار واقعا ماثلا. هذه أشارات مشجعة لكن إثباتها يكمن بالطبع في التقدم المتزامن والقابل للقياس نحو الحوار والإصلاحات المتفق عليها.

المباديء: حول السلام والحكم ألديموقراطي بالسودان

أود أن الفت الانتباه في هذا الخصوص إلى مجموعة المباديء حول السلام والحكم ألديموقراطي بالسودان التي قمنا بإصدارها مع زملاء الترويكا الشهر الماضي (18 سبتمبر). تعكس هذه المباديء آراء العديد من المواطنين السودانيين حول تسوية النزاعات ونوعية الحوار ذو المصداقية. أقوم هنا بتلخيص هذه المباديء كما يلي: أولا ليس هناك حل عسكري لنزاعات السودان كما أن المفاهيم التصنيفية والإقليمية لعملية السلام لا يمكنها معالجة التظلمات والتطلعات ذات الصبغة القومية. كذلك يتوجب على الحوار أن يعالج القضايا الجوهرية الخاصة بالحكم، والشمولية، وتقاسم المصادر، والهوية، والمساواة الاجتماعية على المستوى القومي. وأخيرا تكون البيئة المشجعة ضرورية لنجاح أي حوار. ويمكن لمخرجات الحوار أن: 1) تدعم وحدة تراب البلد ، 2) تستوعب التنوع الفريد للشعب والثقافات والأديان ، 3) توفر ترتيب لحكم شامل يتيح المشاركة بالمؤسسات الديموقراطية ، و 4) تتفق على خط زمني ومؤشرات خاصة بإجراء انتخابات قومية شرعية. ستكون هذه المباديء حاضرة في ذهننا عندما نباشر نحن وزملائنا الدوليون تقدمنا تحو تسوية النزاعات ،  والحوار ، وفي النهاية الانتخابات القومية.

دعني أوضح هنا أن الحزب الحاكم مسئول بشكل رئيسي عن إبتدار الحوار ذو المصداقية ولكننا أكدنا في نفس الوقت أنه يتوجب على المعارضة المسلحة أن تنخرط بشكل بناء في عملية تستهدف الحلول السياسية وليس العسكرية. لقد شجعنا المعارضة المسلحة وغير المسلحة على مناصرة الحوار بنفسها بدلا من انتظار الحكومة أو انتقاد هذه الأخيرة على عدم حراكها إذ يتوجب على المعارضة أن تنتهز هذه الفرصة الثمينة للتعبير عن الأجندة المشتركة وبناء الإجماع الوطني حول الحلول الشاملة.

النزاع مع الأطراف

في الوقت الذي نرحب فيه باحتمال قيام حوار قومي ذو مصداقية ، فإننا نشعر بقلق عميق حيال النزاعات الجارية بالمنطقتين وبدارفور حيث يظل القتال المتجدد ، والأزمة الإنسانية ، والتشريد الواسع النطاق ، والهجمات على المدنيين هي الروايات السائدة. عدم الاستقرار بالمناطق الطرفية بالسودان مكلف، وهو أمر لا يمكن الدفاع عنه، وقد تسبب في الكثير من  التوتر المفرط على جميع المواطنين السودانيين في المركز وفي الأطراف على السواء. كما أن الهجمات العسكرية المتكررة (والهجمات المضادة) جميعها عديمة المغزى إذا أخذنا في الاعتبار الواقع الذي تم إثباته مرارا وتكرارا، والذي مفاده أنه لا يمكن لأي من الطرفين كسب هذه الحرب. وقد أصبحت هذه الحقيقة مصدر انقسام في أوساط الطبقة السياسية السودانية حيث عبر البعض عن أسفهم على حالة النزاع التي بلا نهاية والاعتماد الدائم على الحلول الأمنية. كما أنها أيضا مصدر سخط بالأوساط العسكرية التي عبرت عن أسفها على انتشار النشاط شبه العسكري والتي عبرت عن حنينها للعهد الذي كان فيه الجيش مؤسسة ذات كبرياء تتميز بالاحترام والمهنية.

كل واحدة من النزاعات بدارفور والمنطقتين ، مثلها مثل مثيلاتها السابقتين بالشرق والجنوب، تتميز بمظاهر فريدة لكنها جميعا تبدي نفس الأعراض الخاصة بعلة قومية مشتركة. لقد ظلت جهود تسوية النزاعات بالأطراف مركزة على النطاق الإقليمي لفترة طويلة, ولحسن الحظ أدرك المجتمع الدولي هذه الحقيقة ، وقد صاغ الرئيس امبيكي هذه الحقيقة ببلاغة في عام 2009م حين ذكر أنه ليس هناك “مشكلة دارفور بالسودان” وإنما هناك “مشكلة السودان بدارفور”. وعلينا التأكد من أن هذا الإقرار سوف يتم عكسه بمفهومنا الخاص للسياسة وبالبلدان والمؤسسات المشاركة ، وبالتركيبة الدولية التي نفوضها لتسوية النزاع. أن بروز الجبهة الثورية السودانية في عام 2012م يوضح هذه النقطة حيث قامت حركات مسلحة مختلفة (وناشطون غير مسلحون) بالتوحد بعد الإقرار بالطبيعة القومية لنضالهم  وبأي حل  مقبول بعد أن أحسوا بمحاولات الحكومة لعزلهم ومعالجة تظلماتهم عبر عمليات مستقلة عن بعضها البعض.

وفي دارفور قامت الحكومة وحركة تمرد واحدة بتوقيع اتفاق سلام دارفور في عام 2006م ، لكن ذلك الاتفاق فشل في تغيير الواقع بدارفور. وبعد خمس سنوات من ذلك التاريخ تم توقيع اتفاق سلام الدوحة لكن ذلك الاتفاق كان يفتقر إلى تأييد الحركات المسلحة الرئيسية. وللمرة الثانية ظل القسم الأكبر من أتفاق سلام الدوحة غير منفذ على الرغم من الجهود التي بذلت لإشراك الأطراف المتأثرة بالنزاع ، وعلى الرغم من نصوص الاتفاق العميقة واحتمالها الدائم لتقديم المعافاة والتنمية على النطاق المحلي. وكما حدث بالاتفاقات الإقليمية السابقة ، ظلت الأمور المتعلقة بأمن المدنيين ، وإصلاحات الحكم، والمحاسبة ، والتوزيع العادل للمصادر غير قابلة للتحديد. وبدلا من ذلك شاهدنا للأسف عودة للعنف بدارفور وبالمنطقتين ، وكان مصدر الكثير من ذلك العنف هو الدولة – بشكل مباشر أو غير مباشر.

إضافة للمصادمات بين المعارضة المسلحة والقوات المسلحة السودانية ، أثبت القصف الجوي وإدخال ما يسمي بقوات التدخل السريع أنهما ذو أثر مدمر على السكان المدنيين . لم تقم قوات التدخل السريع بمحاربة حركات المعارضة فحسب وإنما هاجمت أيضا المدنيين وأحرقت القرى وشردت آلاف المواطنين كجزء مما بدا كحملة متعمدة. كذلك فان القتال بين القبائل، والولاءات المتحولة، والنزاعات بين فصائل المعارضة، وقطاع الطرق الانتهازيين ، إضافة إلى شبكات الدعم التي تم تجفيفها والتنافس على المصادر ، قد مهدت  جميعا لوجود بيئة أمنية معقدة بشكل مضطرد.

في هذه الأثناء ، تظل بعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (اليوناميد) – التي لديها تفويض عريض لدعم الأمن، وحماية المدنيين ، وتنفيذ اتفاقات السلام المتعاقبة في الوقت الذي تتوسط فيه لسلام جديد – تواجه التحديات. وتشمل هذه التحديات الهجمات على حافظي السلام وكبار الموظفين ، والنقص في الموارد والقيود على تحركاتها. كذلك واجهت البعثة انتقادات بالنسبة لأدائها. وفي الشهر الماضي قام مجلس الأمن بتعديل التفويض لزيادة تأثير البعثة للحد الأقصى والتركيز على المهمة الجوهرية المتمثلة في حماية المدنيين, ونحن نعمل في هذه الأثناء مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والشركاء الذين يساهمون بالجنود بغرض تعزيز دعمنا الجماعي لليوناميد.

في المنطقتين ، حيث تم مؤخرا تشريد 000ر10 شخص خلال الستة أشهر الماضية ، يمكن أن يعزى تصاعد الأزمة بشكل كبير إلى الهجومين اللذين شنتهما الحكومة، ويضاف اليهما هجمات قوات الدعم السريع والقصف الجوي المكثف, وقد شمل هذا القصف ما بدا انه استهداف متعمد للبنيات التحتية الإنسانية وخطوط الامداد بما في ذلك المستشفيات والعيادات. وقد كنت مشاركا بشكل لصيق في المحادثات المتقطعة خلال العام الماضي بين الحكومة والحركة الشعبية لنحريرالسودان-قطاع الشمال والتي تم التسهيل لها بواسطة  لجنة الاتحاد الأفريقي. بذلت جهود لكي تحرز المحادثات تقدم جزئي لأنه لم تكن هناك آلية واقعية لإحراز تقدم مواز لدارفور. وكان هناك أيضا إقرار بأنه لا يمكن إنهاء القتال أو التوصل إلى حلول سياسية.  وقد كانت هناك حاجة إلى مسار تقوم فيه كافة الأطراف بمواجهة مشاكل السودان بشكل موحد في سياق الإطار القومي.

الطريق للأمام

 

أود هنا أن أرسم الخطوط العريضة لما نراه طريقا عمليا يقود للأمام نحو حوار قومي ذو مغزى يستقطب المجموعات المسلحة إلى مائدة الحوار ويساعد في التوصل إلى نهاية دائمة للنزاعات. تمثل هذه النقاط الثلاثة المفهوم الذي يقدمه الآن الرئيس امبيكي ولجنة الاتحاد الأفريقي ، ونحن ندعمهما بشكل كامل في هذا الخصوص:

1)  استئناف المحادثات الأمنية

نحو ترتيبات لوقف العدائيات وإتاحة وصول العون الإنساني في دارفور والمنطقتين. سيكون من الضروري تقديم هذين المسارين بطريقة متوازية ومتناسقة ، وينبغي أن يتم التسهيل لهما من قبل لجنة الاتحاد الأفريقي مع دعم من الأمم المتحدة. وينبغي على كل مسار أن يعالج القضايا المحلية، لكن الأمر سيتطلب تنسيقا أعرض لعكس وقائع الاشتباك المسلح على الأرض. كذلك يتوجب على هذه الاتفاقات أن تحدد طريقا مشتركا نحو وقف إطلاق النار بشكل دائم ليتوقف الآمرعلى الحوار السياسي الشامل والنتيجة التي تحظي بتأييد عريض.

2)   اجتماع ما قبل الحوار خارج السودان، ويضم ممثلي الحكومة، وأحزاب المعارضة ، والمعارضة المسلحة ، والمكونات الهامة الأخرى، والذين وافقوا جميعا على الشروط ، والخط الزمني ، والأهداف الخاصة بالحوار القومي.

3)  ستدل إجراءات بناء الثقة الإضافية على حسن النوايا وتخلق بيئة مواتية للحوار المفتوح. وقد تشمل هذه الإجراءات إطلاق سراح الأسرى السياسيين ، وتخفيف القيود على النشاط السياسي والتعبير العام ، والمراقبة المشركة لوقف إطلاق النار والعدائيات.

ستوفر هذه الخطوات الأرضية اللازمة لاستهلال حوار قومي ذو مصداقية داخل السودان، ويقوم بالتسهيل له الرئيس امبيكي أو ناشط آخر. وسيكون من الضروري للمجتمع الدولي  أن يدعم هذه الإستراتيجية بصوت واحد، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي ، والجامعة العربية ، ودول الترويكا ، وجيران السودان ألمباشرين. ونرحب مرة أخرى بالأهداف المعلنة للحوار القومي ، وسوف نقوم بمتابعته عن كثب.

 

العلاقات الثنائية بين السودان والولايات المتحدة

وهذا يضعني على أعتاب مناقشة أخيرة وهامة للغاية تتعلق بالعلاقات الثنائية بين السودان والولايات المتحدة. لقد ظلت العلاقات بين واشنطن والخرطوم تتسم بانعدام الثقة وسوء التواصل لفترة طويلة. وقد أدى انعدام الثقة وندرة فرص الحوار البناء إلى سوء التواصل المتعلق بالمصالح والأهداف. وأود أن أوضح هنا أن إتمام الولايات المتحدة بالسودان على المدى الطويل يتمثل في وجود علاقات ثنائية طبيعية، كما هو الحال مع كل بلدان العالم ، حيث يستطيع بلدانا العمل معا على المصالح المشتركة. وينحصر اهتمامنا في أن يكون السودان بلدا ديموقراطيا ومزدهرا، وأن يكون في أمن مع نفسه ومع جيرانه. وسيكون هذا سودانا يمكن للولايات المتحدة أن تنخرط في التعامل التجاري والشراكة معه ، كما سيمكنه عندئذ أن يسهم في الإمكانات  اللامحدودة التي يمكن للبلدان الأفريقية والولايات المتحدة تحقيقها معا كشركاء.

أن قلقنا على السكان المهمشين، واهتمامنا بتسوية النزاعات الداخلية المميتة ، ودعمنا للحكم الديموقراطي مستمد من المباديء التي تمتد إلى مدى أبعد بكثير عن حدود السودان, وتضبط هذه المباديء موقفنا مع الدول والشركاء على نطاق العالم ، وسوف تظل عناصر دائمة في أي علاقة أمريكية مع السودان. ونحن على أهبة الاستعداد للعمل مع المواطنين السودانيين على هذه القضايا وعلى سلسلة أخرى من المجالات ذات الاهتمام المشترك والتعاون المحتمل.  أن الأغلبية  المواطنين السودانيين ليس لديهم مصلحة في الاقتصاد المنهار ، أو في الحرب ، أو في السياسة الانشقاقية ، أو في التطرف ، أو في العزلة الدولية. إنهم يبحثون عما نبحث نحن عنه، أي صفحة جديدة بالسودان حيث يستطيع هذا البلد ذو المجتمعات النابضة والتاريخ الثري أن يحرز النجاح.

على الرغم من خيبات الأمل الماضية فإنني أعتقد أن هناك فرصة لتحقيق علاقة أفضل، ولا بد لنا من السعي لتحقيق هذه الغاية. لا يمكننا قبول تمرغ السودان في النزاعات أو فقدان العلاقة بسبب انعدام الثقة , وتدلل الاضطرابات التي حدثت مؤخرا بالمنطقة على الأهمية القصوى للاستقرار والتعامل المتبادل. لا بد لنا من أن نخط طريقا للأمام. أنني اكرر استعدادي واستعداد حكومتي للعمل مع السودان في تبادل أكثر صراحة وانتظاما ، ولزيارة الخرطوم ومناقشة سلسلة كاملة من القضايا التي تشكل علاقتنا الثنائية.

                  

السودان وجنوب السودان: التواصل المستمر

في الختام أود أن أتحدث عن العلاقة بين السودان وجنوب السودان والتواصل المستمر بينهما، وهو يظل أمرا في غاية الأهمية بالنسبة لنا، وبالنسبة للمنطقة وكذلك بالنسبة للمصالح الإستراتيجية الطويلة ألمدي لكلا البلدين. لقد حددت الاتفاقات التي وقعت في 27 سبتمبر 2012 – والتي لعبت فيها الولايات المتحدة دورا داعما هاما في الوساطة – حلولا للقضايا الهامة بفترة ما بعد الاستفتاء ، كما ساعدت في منع تجدد النزاع بين السودان وجنوب السودان ، كما أقرت بحتمية وفرص التواصل المستمر بينهما, وبإمكاننا أن نورد هنا أمثلة على النجاحات التي أحرزت إلا أن العديد من العناصر  الهامة ظلت غير منفذة. في الوقت الذي يكون فيه التركيز على الوضع الداخلي بالبلدين ويكون فيه الاستقرار مكونا هاما بالنسبة لإقامة علاقات راسخة بين البلدين ، فإننا ينبغي أن نكون متنبهين لوضع العلاقات الثنائية بين البلدين. وتشمل المجالات التي ينبغي أن نكون يقظين بشأنها ما يلي:

 

1.  التجارة والجدوى الاقتصادية المتبادلة

تتمثل المصالح الاقتصادية للبلدين، على المستقبل المنظور، في التعاون المستمر وفكرة “دولتين قابلتين للحياة” التي عممت عند الانفصال.  ويظل إنتاج النفط يمثل خط الحياة بالنسبة للبلدين كما يمثل الاتفاق المجدد والعادل للتصدير المشترك للنفط أساسا ضروريا للجدوى الاقتصادية المتبادلة على المدى المتوسط. وسيراجع ذلك الاتفاق في عام 2016م.

في هذه الأثناء لم يتم تحقيق الطاقة الكاملة للتجارة البينية والحركة عند الحدود المشتركة بين البلدين حيث يوجد أعلى تركيز لسكان البلدين.  ويمكن للتجارة الحرة والحركة الحرة عبر الرواقات التاريخية أن يبنيا سلسلة تؤدي إلى توحيد واستقرار المناطق الحدودية والبلدين. زد على ذلك أن اتفاقات 27 سبتمبر تضمنت ترتيبا وافق فيه السودان على تحمل ديون الدولة لفترة ما قبل الانفصال شريطة أن يعمل البلدان معا على إعفاء الديون من قبل الدول الدائنة. لقد رحبنا بمرونة السودان وجنوب السودان في عرضهما لهذا “الخيار الصفري”، ونظل مستعدين للانخراط في مناقشات مع السودانيين بالنسبة للخطوات اللازمة لتحقيق إعفاء الديون. وسوف نستمر في هذه الأثناء في حث جوبا على متابعة التزامها بالنسبة للجهود المشتركة لإعفاء الديون.

 

2.  الحدود والأمن

لقد دلل التاريخ الحديث على أن عدم الاستقرار في دولة ما سيكون له أثر عميق على الدولة الأخرى. وتظل الحدود المشتركة بين البلدين – وهي الأطول في أفريقيا – نقطة التركيز بالنسبة لهذا الاعتماد الأمني المتبادل.  التوتر السياسي الذي حدث في عام 2011م ، ووجود الاحتياطات النفطية بالقرب من الحدود ، والنزاعات حول تخطيط الحدود، وسوق تجارة الجدود البينية، وقرب السكان على الجانبين جميعها تعني أن الحدود قد كانت وسوف تظل مصدر قلق حرج وكذلك حدود للتعاون الضروري. ولحسن الحظ لم تتصاعد المواقف الخطرة التي اتخذها جيشا البلدين في عام 2011م، لكن هذه المواقف تؤكد على الحاجة لأمن الحدود.

الآليات التي تم تصورها في اتفاقات 27 سبتمبر – وتشمل بشكل رئسي المنطقة الحدودية المنزوعة السلاح ورواقات العبور العشرة بتلك المنطقة – قصد منها تسهيل الإدارة المشتركة للحدود والتقليل من فقدان الثقة. لكن لم يقم أي من الطرفين باستثمار رأس المال السياسي اللازم لتفعيل هذه الآليات بشكل كامل وتحقيق الفرص المتعلقة بحدود تم تطبيعها. وسوف تظل الحدود مصدر قلق وعبء على الطاقات الحدودية الكامنة ما لم يتم تفعيل هذه الآليات.

أود في هذا السياق أن أكرر قلقي العميق حول النشاط الهدام الذي يحدث بالحدود على كلا الجانبين ، وأطالب بإنهاء الدعم المقدم من كل بلد إلى المعارضة المسلحة في البلد الآخر، كما تم الاتفاق على ذلك. لا يمكن تحقيق الرؤيا المتعلقة ببلدين يعيشان جنبا إلى جنب في سلام في الوقت الذي تقوم فيه كل دولة من الدولتين بممارسة من هذا النوع من النشاط الحدودي القصير النظر. لا بد لهذا النشاط أن يتوقف الآن.

 

3.   أبيي

للأسف يظل الوضع النهائي لأبيي غير محدد ، ويظل شعبها حبيسا في حالة ينعدم فيها اليقين والأمن. وطالما لم يتم حل مسألة ابيي ، وفي حالة استمرار الهجرات الموسمية بدون شروط متفق عليها ، فأن احتمال عودة البلدين لنزاع  اكبر لا زالت موجودة. وقد أدت الأحداث الداخلية في البلدين – بشكل ملحوظ في جنوب السودان – إلى وقف المفاوضات الثنائية حول القضايا المعلقة لفترة ما بعد الاستفتاء – بما فيها الوضع النهائي لأبيي ، في الوقت الذي أدت فيه النزاعات الموازية حول أنشاء إدارات محلية مشتركة إلى وقف التقدم في الاستقرار المحلي ، والإدارة ، والتنمية.  ولازلنا نحس بقلق عميق إزاء هذا الموقف الهش ، ونعمل حاليا مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في منطقة أبيي (اليونيسفا) للمساعدة في تحسين الموقف الإنساني وإدارة التوترات.  لكن مسئولية الحل النهائي لهذا النزاع تقع على عاتق الحكومتين. لا زلنا نؤمن بأن مخطط امبيكي بتاريخ سبتمبر 2012 يظل أفضل الطرق لحل عادل ودائم لهذا النزاع.  وبإمكاننا في هذه الأثناء أن نفعل ما بوسعنا لتحسين حياة سكان ابيي  وحياة أوليك الذين يهاجرون بانتظام عبر تلك المنطقة.

في الختام ، أود أن أؤكد هنا أن ارتباط الولايات المتحدة بالسودان وجنوب السودان متينا وهاما بمثل المتانة والأهمية اللتين كان عليهما في أي وقت مضى بالتاريخ الحديث.  وأود أن أرحب هنا بالارتباط المستمر، والمناصرة، والآراء، والدعم من قبل الأفراد العديدين المخلصين والمؤسسات التي ظلت لفترة طويلة صديقة للسودان وجنوب السودان.

 

دونالد بوث ،

المبعوث الأمريكي الخاص للسودان وجنوب السودان ،

المجلس الأطلسي – واشنطن دي سي –

24 أكتوبر 2014

السياسة الأمريكية حول السودان وجنوب السودان: الطريق للأمامhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  ورقة قدمها المبعوث الأمريكي الخاص للسودان وجنوب السودان، دونالد بوث ، بالمجلس الأطلسي، واشنطن .  لقد قام الرئيس اوباما بتعييني كمبعوث خاص للسودان وجنوب السودان قبل عام تقريبا ، وقد كان هذا العام مليئا بالأحداث – وذو أثر مدمر من نواح عديدة – على السودان وجنوب السودان . انتهز هذه...صحيفة اخبارية سودانية