حل الأزمة في جنوب السودان لن يكون سهلا، فهو صراع مُركَّب له جذور تاريخية، وله تداعيات قبلية، وفيه مواجهات شخصية بين قيادات متنافسة، وهو يدور في دولة وليدة هشة لم تكتمل هياكلها بعد، ويطال جيشا ما زال هو مجموعات مليشيات قبلية كانت تُكوِّن جيش التحرير الذي لم يتحول بعد الى جيش قومي مهني منضبط له إرث كبير من التمرد العسكري منذ أيام اتفاقية أديس أبابا سبعينات القرن الماضي.

وذلك فإن الانفجار الذي حدث بالامس في رئاسة القوات الجنوبية في مدينة جوبا لم يكن حادثا استثنائيا وقد آثار قلقا بالغا في المدينة، واودى بحياة عدد من الجنود، وصحبه انفجار في مستودع للسلاح أصاب كل اهل المدينة بالخوف والجزع؛ وكل ما نعرفه عنه أنه تمرد محدود بسبب تأخر صرف رواتب بعض الجنود منذ يناير الماضي، ولكن التوتر اليساسي والصراع المسلح الذي دار بين قوات ذلك الجيش في ديسمبر الماضي كان يشكل الارضية التي أدت الى هذا الانفجار، وهو مرتبط بشكل او آخر بالصراع العسكري القبلي الذي يعيشه الجنوب اليوم.

ومن أسف فإن كل محاولات (الايقاد) لإدارة حوار بين الفرقاء على مائدة التفاوض في أديس ابابا لم تنجح، كما أن وقف اطلاق النار الهش الذي تم الاتفاق عليه ما يزال يتعرض لانتهاكات من الطرفين مما يهدد بالعودة مجددا لمربع الصراع المسلح، وهذا هو ما حدا بالايقاد لأن تسعى الآن لتشكيل قوة عسكرية إفريقية بتمويل أممي بمساعدة الامم المتحدة لكي تشرف على وقف اطلاق النار على أمل ان تنجح في تثبيت أركانه حتى لا ينفجر الموقف من جديد، ولكن (الايقاد) تدرك تماما تعقيدات الموقف وصعوبة المفاوضات بعد ان فشلت

كل جهودها السابقة في تخطي العقبات الاجرائية حتى ينتقل الفرقاء الى مرحلة مناقشة الاسباب الجذرية لذلك الصراع.

استمرار المعارك والصراع الداخلي بات يعكس قلقا اقليميا ودوليا، لأن هذا الصراع يدور في منطقة يسودها عدم الاستقرار بسبب صراعات اخرى تدور في الصومال وفي الكونغو وفي افريقيا الوسطى، والتداخل بين هذا الصراع، والمنافسات المحتدمة بين دول الجوار الافريقي حول جنوب السودان من شأنها أن تزيد الموقف تعقيداً، وقد عبر عن هذا القلق المبعوث الامريكي الخاص دونالد يوث في شهادته هذا الاسبوع امام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الامريكي حين قال إن اتفاق وقف العدائيات في جنوب السودان قد فشل وظلت الهجمات تتواصل ضد المدنيين، وقد ارتكبت العديد من الانتهاكات لحقوق الانسان من جانب الطرفين ولذلك لابد من إعطاء أولوية لإنفاذ قرار وقف العدائيات مع توفير الدعم المادي لمنظمة الايقاد لتشكيل قوة المراقبة العسكرية، كما يجب الانخراط في حوار جامع بين كافة الاطراف بحثا عن حل سلمي شامل للنزاع الداخلي ومعالجة أسباب المظالم الداخلية عبر مصالحة شاملة، وقد حذر المبعوث من تداعيات هذا الصراع على أمن المنطقة واعتبر ان ذلك أمر لا يمكن السماح.

الواضح أن المجتمع الاقليمي والدولي تجتاحه موجة قلق كبيرة على ما يحدث في دولة جنوب السودان، واذا فشلت المحاولات التي تدور الآن لاحتواء الموقف فإن المجتمع الدولي سيضطر الى أنواع اخرى من التدخل المباشر قد يبدأ بحجز المعونات عنها، فهل تعي اطراف النزاع الخطر الذي يهدد دولتهم الوليدة؟. لا يلوح في الأجواء الحالية ما يفيد بأن طرفي الصراع على استعداد للقيام بالتنازلات المطلوبة لإحلال السلام، وقد جاء انفجار الأمس والصراع المسلح الذي دار ليذكر الجميع بأن الموقف مازال ملتهبا، وأن الأمور قد تخرج من اليد في أي لحظة!.

محجوب محمد صالح 

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتجنوب السودانحل الأزمة في جنوب السودان لن يكون سهلا، فهو صراع مُركَّب له جذور تاريخية، وله تداعيات قبلية، وفيه مواجهات شخصية بين قيادات متنافسة، وهو يدور في دولة وليدة هشة لم تكتمل هياكلها بعد، ويطال جيشا ما زال هو مجموعات مليشيات قبلية كانت تُكوِّن جيش التحرير الذي لم يتحول بعد...صحيفة اخبارية سودانية