ظلت الولايات المتحدة وكثير من الدول الكبرى في الغرب تضغط وتعمل بكل السبل لتحقيق انفصال الجنوب وتستعجله بصورة واضحة، بل ووصلت الولايات المتحدة درجة تحفيز حكومة السودان بوعدها برفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب وإلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه إذا ما أجرت الاستفتاء في موعده المحدد والتزمت بنتائجه التي كان من المعروف سلفا أنها ستكون انفصالا، كما نشأت في الغرب عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة مجموعات ضغط تخصصت في قضية الجنوب ساعية بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لدعم مشروع الانفصال.

صحيح، إن الحرب بين الشمال والجنوب كانت أطول الحروب الداخلية في إفريقيا عمراً لكن الدول الغربية لم تأخذ في الاعتبار الطبيعة المعقدة لمرحلة الانتقال من المجموعات القبلية المتعددة الى مرحلة الاندماج  القوي ونشأة الدولة القومية، وهي مشكلة تعاني منها أغلب الدول الافريقية، ولوعالجت كل الدول أزماتها الداخلية بالانفصال لتشظت القارة الإفريقية بأسرها، ولو تعاملت تلك الدول مع هذا الواقع برؤية ثاقبة لتبنت مقترحات تساعد الدولة القومية في مجهوداتها لبناء الوحدة في التنوع بدلا من الانفصال لأن الانفصال في مثل هذه الاحوال لا يعني نهاية الحروب الداخلية وإنما يعني انقسام الازمة الواحدة داخل الدولة الواحدة الى أزمتين داخل دولتين منفصلتين وهذا هو ما حدث الآن في كل من دولتي السودان وجنوب السودان إذ تعيش كل من الدولتين في نفس الازمة.

وقد اكتشفت هذه الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الآن بعد ان انفجرت الاوضاع في دولة الجنوب بشكل مأساوي يهدد مستقبل الدولة التي سعوا لتأسيسها ضد مسار التاريخ وضد مفهوم الدولة القومية في افريقيا، ولكن لات ساعة مندم فقد وقعت الواقعة وتأسست الدولتان المأزومتان نتيجة ضغوط دولية ومشروعات خارجية، وستدفع المنطقة بأسرها ثمن ذلك النهج الغربي الذي ينبع من صلف القوة الذي تتعامل به هذه الدول مع دول العالم الثالث.

لقد كان في مقدور السودان أن يعالج أزماته بأسلوب مختلف وأن ينهي بإرادة سياسية داخلية سياسات التهميش، وأن يتبنى مشروعا للوحدة في التنوع يزيل موروثات ومظالم الماضي دون أن ينفرط عقد الدولة القومية، ويعطي الجماعات الإثنية والثقافية العديدة حق (تقرير المصير الداخلي) الذي يمنح ولاياته المختلفة اكبر قدر من الاستقلال الذاتي في اطار الدولة الواحدة، ويذيب الفوارق الاثنية والقبلية والثقافية بمشروع توحيدي قائم على المساواة التامة والمشاركة الجماعية والاعتراف بالآخر وبحقه في السلطة والثروة والتنمية المستدامة والخدمات المستحقة؛ ومثل هذا المشروع يحتاج الى جهد صبور وعمل ابداعي لكنه ممكن وكانت بداياته واضحة في اتفاقية أديس أبابا التي عالجت ازمة الجنوب في اطار السودان الواحد، وكانت تجربة مرشحة للنجاح على المدى البعيد لولا انها تمت تحت نظام ديكتاتوري لايحترم الاتفاقات والمواثيق فنقض غزله بيديه وبممارساته الأُحادية، وكان من الممكن ان نتعلم من ذلك الدرس، وأن نسعى لتحول ديمقراطي ومشروع وطني جديد بدعم من المجتمع الدولي والاقليمي لكن سياسات الغرب والبحث عن المصالح الضيقة للدول الكبرى اسهمت في تحويل المسار الى الطريق الخاطئ الذي افضى بنا الآن الى طريق مسدود أمام دولتين لم يرثا من ماضيهما إلا الصراعات الدولية الذي عاد المجتمع الدولي يشجبها ويستنكرها متناسياً دوره في اشعال نيرانها. نحن لاننكر اسهام سياساتنا الخاطئة في صنع هذه الازمات ولكن لو تركز دورنا في اصلاح الخلل الذي صاحب سياساتنا وغادرنا مربع الديكتاتوريات القابضة، وبسطنا سياسات قائمة على الحرية والعدل والانصاف واشراك الجميع في صناعة القرار، ومعالجة مشاكلنا بطريقة منهجية وكلية بدلا من تجزئتها لوضعنا هذا الوطن الكبير في طريق التعافي والاستدامة.

أزمة السودان وجنوب السودان اليوم هي في صورة من صورها انتاج المجتمع الدولي الذي راهن على الحلول الخاطئة وسيندم على ما اقترفت يداه !!

محجوب محمد صالح

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,جنوب السودانظلت الولايات المتحدة وكثير من الدول الكبرى في الغرب تضغط وتعمل بكل السبل لتحقيق انفصال الجنوب وتستعجله بصورة واضحة، بل ووصلت الولايات المتحدة درجة تحفيز حكومة السودان بوعدها برفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب وإلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه إذا ما أجرت الاستفتاء في موعده المحدد والتزمت...صحيفة اخبارية سودانية