نجحت الضغوط الامريكية المتصاعدة في حمل طرفي الصراع المسلح في دولة جنوب السودان على عقد لقاء قمة في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا هذا الاسبوع او الاسبوع القادم في محاولة للوصول الى تسوية سياسية تضع حدا للحرب الأهلية الكارثية التي اوشكت الآن ان تكمل شهرها الخامس والتي اودت بحياة الالاف وشردت الملايين وما زال نزيف الدم مستمرا بعد ان اتخذ طابعا قبليا خطيرا وادى الى مجاذر ومذابح من شأنها أن تسمم اجواء التعايش القبلي مستقبلا.

مجرد موافقة اطراف الصراع تحت الضغط على عقد محادثات قمة يجب ألا يُفهم منه حدوث اختراق في صراع السلطة المحتدم والذي له ابعاد تاريخية وقبلية بالغة التعقيد، وهو صراع احتدم حتى حينما كانت هذه الجماعات تحارب حكومة الشمال ويوحدها وجود(عدو مشترك) ودارت معاركها الدموية بين الفرقاء الجنوبيين في نفس هذه المنطقة التي تدور فيها احداث اليوم. لكنّ معارك اليوم تختلف كثيرا عن معارك الأمس لانها تدور بعد انفصال الجنوب وتأسيس دولته، واصبح الصراع هو صراع على حكم الجنوب كما هو في نفس الوقت صراع على الثروة التي اعقبت اكتشاف البترول.

وهو ليس صراعا ثنائيا بين د. مشار وسلفاكير كما تصوره بعض دوائر صنع القرار الاقليمي والدولي إذ أنه صراع ثلاثي الابعاد بين ثلاث معسكرات داخل الحزب الحاكم ظلت تتواجه منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي داخل الحركة الشعبية وقادت الى انقسام خطير في صفوفه، ثم التأمت جروح ذلك الانقسام على صديدها لتعود من جديد بعد أن آلت كل الثروة والسلطة للجماعة الحاكمة بعد توحدها.

هناك مجموعة ريك مشار التي ابتدرت انقسام 1991م بكل ما تحمل من طموحات وأحلام وهي مدعومة قبليا وتتطلع الى حكم الجنوب وتتكئ على موروث القبيلة الثانية  تعدادا والاكثر شراسة والاعنف محاربين، وهناك مجموعة(العسكريين) بقيادة سلفاكير التي آلت اليها القيادة بعد رحيل جون قرنق تستند في نفوذها ليس على ادائها العسكري فحسب بل على قوة القبيلة الاكثر عدداً في الجنوب والاوسع انتشارا، وهي مجموعة متمسكة بسلطتها وتبحث عن تحالفات مع قبائل اصغر والى الهيمنة الكاملة على السلطة والثروة.

وهناك مجموعة السياسيين الذين التفوا حول الراحل د. جون قرنق وكان مركز صناعة القرار اثناء وجوده وكانوا الاكثر التصاقا بالتنظيم السياسي وبمفاصل(السلطة الحزبية). في مؤتمر رومبيك الشهير لم يكن صوت ريك مشار هو الحاضر في اجندة الصراع وإنما قادة عسكريون متحالفون مع سلفاكير في مواجهة اولاد قرنق، وكشف الحوار الصريح عن مدى انعدام الثقة بين المعسكرين الذين وحَّدهم لاحقا رحيل جون قرنق وانخرطا في معركة المرحلة الانتقالية ومن ثم الانفصال. جاء الآن أوان حسم المعارك المؤجلة ولكن هذه المجموعة(السياسية) لا تريد صراعا مسلحا وتباعد بينها وبين الحرب الدائرة في جنوب السودان وتطمع في تسوية (سياسية) لصالحها.

المجتمع الدولي والمجتمع الاقليمي أولويتهما هي وقف نزيف الدم الذي يهدد بانهيار دولة الجنوب ولا يركزان على طرفي الصراع(سلفا/مشار) ولكن ليس في وسع أي حل أن يتجاهل هذه المجموعة الثالثة أوأبناء القبائل الأخرى وخاصة قبائل الاستوائية التي تضررت من الصراع المسلح وترغب في اوضاع ديمقراطية تضمن لها مشاركة فاعلة وترفض (ديكتاتورية الاغلبية) باسم الدينكا او باسم النوير، وسيكون صوتها في مقبل الايام عاليا اذا ما انفتح الباب لحوار اشمل عبر لقاء اديس ابابا.

كل هذه المعطيات تشير الى ان الوصول الى حل مُرضٍ لكل الاطراف عبر التفاوض لن يكون سهلا ولا سريعا لأنه يتطلب تنازلات متبادلة تبدوالاجواء غير مهيأة لها الآن، وربما اقتضى ذلك التركيز أولا على وقف اطلاق النار لاستعادة الاستقرار النسبي الذي يسهل مهمة البحث عن الحل الشامل لاحقاً!.

محجوب محمد صالح 

هل تنجح أمريكا في معالجة أزمة دولة جنوب السودان ؟https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتجنوب السوداننجحت الضغوط الامريكية المتصاعدة في حمل طرفي الصراع المسلح في دولة جنوب السودان على عقد لقاء قمة في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا هذا الاسبوع او الاسبوع القادم في محاولة للوصول الى تسوية سياسية تضع حدا للحرب الأهلية الكارثية التي اوشكت الآن ان تكمل شهرها الخامس والتي اودت بحياة الالاف...صحيفة اخبارية سودانية